الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٦١ورغم هذه القيود الصارمة فقد ذكر الأستاذ قودفروا ( GAUDEFROY) العقوبات في الإسلام بصفة بعامة ولاحظ أن السرقة عقوبتها في الإسلام مثل المجتمعات القديمة هي قطع يد السارق اليمنى ثمَّ الرجل اليسرى ثمَّ اليد اليسرى ثمَّ الرجل اليمنى، وذكر أنَّ الشريعة قيَّدت تطبيق هذا الحدِّ حتَّى كادت أن تجعله خاصا أو مستحيلا ولكن النصوص التاريخية - يقول قودفروا - تؤكد أنَّ هذا الحدَّ طبِّق بصرامة في المدن الكبرى(1).
ماذا يقصد بالمدن الكبرى؟ إنَّ هذا الحدَّ بالفعل نجد له نصوصا تطبيقيَّة تاريخيَّة في بلاد المغرب(2) خلال فترة البحث إلاَّ أنَّنا لم نلاحظ أنَّه طبِّق بصرامة في القيروان أو في تيهرت أو فاس إن اعتبرنا هذه المدن من المدن الكبرى التي يقصدها، فالسرقة سمة المجتمعات الإنسانيَّة الفقيرة والغنيَّة على حدٍّ سواء، وبالتالي وجب زجرها حتَّى لا يستشري ضررها، ولعلَّ من الحدود الخمسة(3) المعروفة في الإسلام كان حدّ السرقة الأكثر تطبيقا من أي حدٍّ آخر، إذ لا مجال فيه كبير لدرئه، والإسلام يتوخَّى في تشريعاته الجنائيَّة الحفاظ على الحرِّيات وحماية الجماعة ورعاية الحقوق، وإصلاح حال المجرم، وكلّ ذلك دون أن يكون هناك إفراط أو تفريط(4).
(1) - GAUDEFROY: LES Intitutions، P: 159 - 160.
(2) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 168. ابن سحنون: أجوبة (مخ) ق35و. البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ) ق 21، أبو زكرياء: السيرة 71، 149. الشمَّاخي: سير، 225. الدرجيني: 1/ 91.
(3) - يقول الدكتور: عبد المنعم البهي: «إنَّ من أهمِّ ميزات التشريع الجنائي الإسلامي قِلَّة أنواع العقوبات وهي سبع عقوبات بدنيَّة هي: 1 - القصاص في القتل العمد، أو إتلاف عضو عمدا. 2 - عقوبة السرقة. 3 - عقوبة قطع الطريق. 4 - عقوبة القذف. 5 - عقوبة الزنا. 6 - عقوبة السكر. 7 - عقوبة التعزير» انظر مقال: التشريع الجنائي، 41. عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعيَّة، 241 - 247.
(4) - عبد المنعم البهي: المقال المذكور، 45.