القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٦٢

ونلاحظ الصرامة في تطبيق حدود الله في دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري في فترة من فترات عهد الولاة، وذلك لمَّا أرسل القائد محمَّد بن الأشعث الخزاعي عيونه للتجسُّس على جيش أبي الخطاب، فقال له أحدهم «رأينا رهبانا بالليل وأسودا بالنهار … لو زنا صاحبهم لرجموه، ولو سرق لقطعوه … »(1)، وبالفعل لوحظ في المعركة التي خاضها ضدَّ ورفجومة الصفريَّة أحد قتلى الصفريَّة مسلوبا، وهو ما لا يُجيزه الإباضيَّة، فالمحارب المُوَحِّد لا يحلُّ سلبه، فأمر مناديا ينادي في عسكره: من نزع من أحد القتلى شيئًا فليردده. فلم يرد أحد شيئًا، ولكنَّه اكتشف فيما بعد، فأخذه الإمام أبو الخطاب فعزَّره حسب ما اقتضاه الاجتهاد(2) على رواية الدرجيني. أمَّا أبو زكرياء فإنَّه ذكر أنَّ الإمام أخذه وحدَّه، وقال إِنَّمَا تغدروا، بمن يغوي(3).

إنَّ هذه الصرامة في تطبيق الأحكام القضائيَّة كثيرا ما تحدَّث عنها المؤرِّخون الإباضيَّة في حين أكاد لا أجد فيما بين يديَّ من كتب التاريخ والطبقات(4) ذكرا للحدود في عهد الولاة والأغالبة، وهذا أمر غير معقول، لأنَّ الثابت في تلك الأزمنة أنَّ الحدود لم تُعطَّل وبخاصة ببلاد المغرب الإسلامي. فهل هذا الصمت عن تطبيق الحدود راجع إلى عدم اكتراث المؤرِّخين وأصحاب التراجم بذكرها أم هو راجع إلى قلَّتها بحيث كانت تدرأ التزاما وتطبيقا لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السالف الذكر؟

لقد ذكر ابن عذاري أنَّ ابن الأغلب منع بيع الشراب (الخمر) بالقيروان، وأباحه برقادة(5)، فهل هذا نوع من التغاضي عن السكران؛ وكثيرا ما وجدت

(1) - أبو زكرياء: السيرة، 71.

(2) - الدرجيني: طبقات، 1/ 30 - 31.

(3) - أبو زكرياء: 70.

(4) - ولكن الكتب الفقهيَّة تذكر ذلك باستفاضة، فضلا عن مدوَّنة سحنون، فإن ابن سحنون في أجوبته يتحدَّث عن قطع يد السارق، ويظهر أنَّ ذلك واقعا. انظر أجوبة (مخ) ق35و.

(5) - ابن عذاري: البيان، 1/ 207.

٥٦٩ / ٧٤٣