الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٦٣بعض القضاة لا يتعرَّضون للسكير بالجلد حدًّا، وقد لاحظ الخشني مثل هذا، وقدَّم عذر من أغضى عن حدِّ السكر من القضاة بقرطبة(1)، وكأنَّ ذلك كان أيضًا بإفريقيَّة في القرنين الثاني والثالث للهجرة.
وبعكس كتب التاريخ والتراجم فإنَّنا نجد الحديث عن الحدود في مدوَّنة سحنون بن سعيد وأدب القاضي لأبي المهلَّب هيثم بن سليمان(2)، مِمَّا يثبت احتياج القضاة إلى معرفة تلك الحدود لتطبيقها، وإن لم تأت بصيغة الحدث التاريخي الواقعي.
أمَّا عند الرستميين فقد ذكر المؤرِّخون بعض الحدود التي أقامها القضاة كحدِّ القتل والزنا وشرب الخمر والسرقة(3)، بل إنَّ ابن الصغير يتحدَّث عن شيء يشبه التجاوز في إقامة الحدِّ على عهد الإمام أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان، لقد كان عادلا في أحكامه فلم ينقم الشراة ـ وهم الفقهاء المراقبون للإمام وموظِّفيه ـ على أبي حاتم شيئًا سوى أنَّه أخذ «ناسا بالتهمة وضرب السوط على الظنة»(4)، ولا يكون ضرب السوط إلاَّ في حدٍّ من حدود الله كما سبق أن رأينا.
إنَّ الإباضيَّة في المشرق رفضوا ما طالب بِهِ يزيد بن فندين ـ أحد المنشقِّين عن الإباضيَّة والرستميين زمن الإمام عبد الوهَّاب (171 - 208هـ) ـ وهو أنَّ الإمام لا يقضي في أمر إلاَّ بعد العودة إلى جماعة معلومة، لأنَّ هذا شرط في الإمامة باطل، فقالوا «لو صحَّ في الإمامة شرط لمَا قام لله حقّ ولمَا أقيم له حدٌّ،
(1) - الخشني: قضاة قرطبة، 58، 59، 98، 114. وانظر المبحث الثالث من الفصل الرابع من الباب الأوَّل.
(2) - سحنون: المدوَّنة، 5/ 148. أبو المهلَّب: أدب القاضي، 123 - 124.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 50. عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 168، 177. القطب: ترتيب نوازل نفوسة، (مخ) ق 498. جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزان، 62.
(4) - ابن الصغير: أخبار، 102.