القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٦٤

ولعُطِّلت الحدود وبطُلت الأحكام، وضاع الحقُّ، والجماعة يتعذَّر اتِّفاقها على أنَّ الإمام إن قُدِّم إليه سارق فلا يصيب أن يقيم عليه الحدَّ فيقطع يده حتَّى تحضر الجماعة … »(1).

لقد حرص الإباضيَّة في الدولة الرستميَّة على إقامة الحدود(2)، فلم يتهاونوا عنها ولم يقبلوا ما يحيل بينها وبين تطبيقها بأيِّ سبب من الأسباب.

وكما كانت هذه الحدود مرعية في إفريقيَّة والمغرب الأوسط، كذلك كانت في المغرب الأقصى حيث يذكر الأستاذ علال الفاسي في رسالة غير منشورة لإدريس الأوَّل توجَّه بها إلى المغاربة، جاء فيها: أدعوكم «إلى العدل في الرعيَّة والقسم بالسويَّة ورفع الظلم … وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد … وأذكِّركم الله في أرامل احتُقرِت، وحدود عطِّلت، وفي دماء بغير حقّ سفكت»(3). فإدريس الأوَّل جاء ليقيم الدولة التي تقيم حدود الله وتتَّبع شريعة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - كما أمر الله.

واستمر الأمر هكذا بعد مقتل الإمام وتولِّي المولى راشد، ثمَّ امتدَّ إذ منذ أن بنى إدريس الثاني مدينة فاس كان مقصده كما جاء في خطبته الأولى على منبر جامعها «اللهمَّ إنَّك تعلم أنِّي ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة … وإنَّما أردت أن تُعبَد بها ويتلى بها كتابك وتُقام بها حدودك وشرائع دينك وسنَّة نبيِّك - صلى الله عليه وسلم - ما بقيت الدُّنيا»(4).

ويذكر الحلبي أنَّ الإمام إدريس الثاني وقاضيه تعاونَا «على إقامة حدود الله، ونصر دينه في السرِّ والنجوى»(5).

(1) - أبو زكرياء: السيرة، 94.

(2) - انظر: GAUTIER: LES SIECLES OBSCURES، P: 314.

وانظر د. علي أحمد، القضاء في المغرب، 45. دبوز محمَّد علي: تايخ المغرب الكبير، 3/ 316 - 317.

(3) - علال الفاسي: الإمام إدريس، 18.

(4) - ابن أبي زرع: الأنيس، 36، 49. الناصري: الاستقصا، 1/ 167.

(5) - الحلبي: الدرُّ النفيس، 274.

٥٧١ / ٧٤٣