القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٦٥

فالأدارسة وقضاتهم ـ على ما يبدو ـ كانوا دائما حازمين على إقامة حدود الله، والتقيُّد بشرع الله الذي جاء بِهِ جدُّهم النبي محمَّد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.

أمَّا دولة بني مدرار فيكفي أن نستشهد بمقولة محمود إسماعيل التي جاء فيها « … في دول الخوارج ـ ويقصد الرستميين والمدراريين ـ معظم الحكام في بساطة عيشهم وزهدهم أشبه بالعمَرَين»(1)، ولا يكون الشبه فعلا إلاَّ في تطبيق حدود الله واتِّباع سيرة العُمَرين أبي بكر وعمر اتِّباع النعل بالنعل.

إنَّ الحدود في قضاء المغرب الإسلامي عموما كانت مطبَّقة، وكان القضاة حريصين على إقامتها عند الضرورة القصوى، ويبدو أنَّها ليست بالكثيرة، بحيث لم يرد ذكرها مرارا في المصادر التاريخيَّة عكس العقوبات الأخرى المتنوِّعة والمتعدِّدة.

ب - العقوبات

إذا كانت عقوبات الحدود معروفة، ومحددة بدقَّة مثل قتل القاتل المتعمِّد، وقطع يد السارق، وجلد الزاني أو رجمه، وجلد السكِّير والقاذف(2) فإنَّ عقوبات التعزير(3)، والتأديب(4) متنوِّعة متعدِّدة تكاد لا تحصى تبدأ بالتخويف وتنتهي

(1) - سوسيولوجيا، 103.

(2) - عن القتل، انظر سورة النساء: (آية 9)، الإسراء: (آية: 33)، البقرة: (الآية: 178 - 179). وعن السرقة، انظر سورة المائدة: (آية: 38). وعن الزنا انظر سورة النور: (آية: 02). وعن الخمر، انظر ابن حزم: الأحكام في أصول الأحكام، 156 - 15. وعن القذف، انظر سورة النور: (آية: 04)، وانظر عنها كتاب الكبائر للحافظ شمس الدّين الذهبي.

(3) - التعزير: هو تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود. واختلف في أكثر ما ينتهي إليه الضرب في التعزير، وقيل لا يتجاوز فيه أدنى الحدود، وهو أربعين سوطا، ولا يصله ولذلك قيل أكثر ما ينتهي إليه هو 39 سوطا، وقيل بل يمكن أن يبلغ خمسين سوطا، وسبعين، وقال مالك بن أنس لاحد لأكثره، ويجوز أن يتجاوز به أكثر الحدود، انظر: سحنون بن سعيد: المدوَّنة، 6/ 306 - 328. جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزان، 62. الماوردي: أدب القاضي، 2/ 363. الطرابلسي: معين الحكَّام، 525. ابن خلدون: المقدِّمة، 39. الثميني: الورد البسَّام، 131. دائرة المعارف الإسلاميَّة (مادة التعزير)، 5/ 310. عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعيَّة، 246 - 247.

(4) - التأديب: وهو دون التعزير، وهو باللسان وبالضرب وبالحبس، وإنَّما هو على قدر الذنب والتمرُّد، والأدب عظة للمذنب ولغيره لكي لا يتمادى، انظر: أجوبة علماء فزَّان، 62، وانظر المراجع والمصادر المذكورة في الهامش السابق. عبد الوهَّاب: مسائل، 171.

٥٧٢ / ٧٤٣