القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٧٠

ومن العقوبات التي ذكرها المؤرِّخون في القضاء ببلاد المغرب، عقوبة النفي إلى البادية أو إلى حي آخر غير حي الجاني ونفي بعض التجار الغشَّاشين من الأسواق ومنعهم من البيع فيه(1)، وطَين القاضي سحنون باب دار امرأة بالطين والطوب لأنَّها كانت خبيثة تجمع فيه بين الرجال والنساء للمعصية، وكان قبل ذلك قد ضربها وأجلسها في القفة(2).

ولعلَّ أقسى عقوبة وقعت في المغرب خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، والتي أودت بصاحبها إلى الموت هي تلك العقوبة التي سلَّطلها القاضي سحنون بن سعيد علىلقاضي الذي كان قبله: عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي، إذ خاصمه رجل بين يدي سحنون، فحكم له على ابن أبي الجواد وحبسه، وقال له «إن لم تؤدِّ ضربتُك بالسوط، فقال: ما عندي مال، فيقال إنَّه أخرجه وضربه في جمعة بالسياط مائة سوط، وقيل أكثر من ذلك حتَّى أسال دمه على كعبه وردَّه إلى السجن فمات فيه»(3). وقيل كان يخرجه في كلّ جمعة فيضربه عشرا إلى أن مرض فضربه ثمانية عشر سوطا مجرَّدا، فما زالت تلك حاله إلى أن مرض فمات «فشنع الناس على سحنون أنَّه قتله»(4)، ويذكر الخشني أنَّه قيل لسحنون «من أين أخذت الضرب؟ وإنَّما كنَّا نحبس حتَّى يغرم، قال من حديث النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قوله «مطل الغني ظلم» فإذا كان ظالما كما سمَّاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدبته على ظلمه»(5)،

(1) - يحي بن عمر: أحكام السوق، 32، 133. نوال التركي: التنظيمات، 202.

(2) - يحي بن عمر: أحكام، 133. المالكي: رياض، 1/ 396

(3) - عياض: تراجم، 106. ابن عذاري: البيان، 1/ 110. الجودي: تاريخ القضاة، (مخ) 9 ظهر.

(4) - ابن عذاري: البيان، 1/ 110.

(5) - الخشني: قضاة قرطبة، 58. وانظر: طبقات الخشني، 236. نوال التركي: التنظيمات، 202، ويروي وكيع في أخبار القضاة أنَّ أبا هريرة قضى على مدان بعدم الحبس، رغم أنَّ المدين يطلب الحبس لدائنه إلاَّ أنَّ أبا هريرة قال «لا أحبسه لك ولكن أدعه يطلب لك ولنفسه ولعياله»، وهذا بعد أن تأكَّد أن لا مال له ولا أرض، انظر: أخبار القضاة، 112.

٥٧٧ / ٧٤٣