القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٧١

ويذكر أنَّ سحنون توسوس لمَّا رأى نتيجة الأسواط التي كان يكيلها لابن أبي الجواد، فكان يردِّد «ما أنا قتلته، الحقُّ قَتَله»(1).

ويشبه ما وقع لسحنون مع ابن أبي الجواد ما ذكر في أجوبة علماء فزَّان في القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، وهو أنَّ رجلا له على آخر دين فلزمه فاستأجر نفسه لرجل، وكان الجواب هو «إن كان الملزوم قد حكم عليه السلطان (القاضي) بالأداء فزعم أنَّه لا مال له، فلا سبيل له أن يستأجر نفسه حتَّى يقيم البيِّنة أنَّه مفلس لا مال له فعند ذلك ينادي عليه السلطان بالإفلاس كي يحذر الناس منه، ويخلي سبيله، ولا سبيل للغريم إلى لزومه، فلزوم المعسر ظلم، كما أنَّ مطل الغني ظلم، قال الله تعالى ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾(2).

هكذا نلاحظ الاختلاف في الحكم رغم تشابه القضايا، ومردُّ ذلك إلى أنَّ مثل هذه العقوبات متروكة للقاضي يجتهد فيها رأيه، وليست مثل الحدود التي ضبطها الشرع بنصّ قرآني، أو سنة نبويَّة.

إضافة إلى هذه الأنواع المتعدِّدة من العقوبات هناك السجن أو الحبس، وقد مَرَّ بنا أنَّ بعض القضاة حبسوا بعض المجرمين واكتفوا بذلك إلى حين معيَّن ومنهم من كان يضرب بالسوط هذا السجين فيجمع له بين الضرب والحبس معًا، كما فعل سحنون بابن أبي الجواد بخاصة، وكلّ ذلك متروك لتقديرات القاضي(3) الذي من المفروض ألا يجور ولا يتعدَّى.

(1) - عياض: تراجم، 111. وممَّا يذكر في هذا الصدد أنَّ أحد قضاة بغداد أدَّب أحد الخصوم بسبب تطاوله في مجلسه، فمات لكنَّ القاضي دبَّر له ديَّة بعشرة آلاف درهم أعطاها لورثته معتبرا أن تأديبه كان من أجل مصلحة المسلمين وديته واجبة في بيت مال المسلمين. انظر: عصام شباروا: القضاء والقضاة، 69 - 70.

(2) - جناو بن فتى المديوني وآخر: أجوبة علماء فزَّان، 95، والآيَة من سورة البقرة: 280 وتمامها: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ وَأَنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمُ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

(3) - عبد الوهَّاب بن عبد الرحمان: مسائل نفوسة، 182 - 183.

٥٧٨ / ٧٤٣