الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٧٢ومن المعروف أنَّ الحبس لم يكن في عهد رسول الله (ص) ولا عهد خليفتة أبي بكر(1)، استحدثه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الدولة الإسلاميَّة لحاجة القضاء الماسة إليه، وتبعه الخلفاء من بعده على ذلك(2).
ويذكر ابن فرحون الوجوه التي يجب فيها الحبس، ويجعلها ثمانية هي «حبس الجاني في غيبة المجني عليه حفاظا لمحلِّ القصاص، وحبس الآبق، وحبس الممتنع من دفع الحقِّ إلجاء إليه، وحبس من أشكل أمره في العسر واليسر، وحبس الجاني تعزيرا أو ردعا عن المعاصي، وحبس الممتنع من التصرُّف الواجب، كحبس مَن جمع بين الأختين، وحبس من أقرَّ بمجهول عين، وامتنع من تعيينه، يحبسه حتَّى يعينه، وحبس الممتنع من حقِّ الله تعالى»(3)، بالإضافة إلى وجوه أخرى قد يراها القاضي ضروريَّة. وتحدَّث ابن سحنون عن مدَّة السجن فذكر السنَة وستَّة شهور، والشهر، للمتَّهم بالدماء، إن لم تثبت التهمة، وإنَّما وُجد المقتول بالقرب منه(4).
وليس بخَافٍ أنَّ أغلب هذه الوجوه قد عرفها القضاء في المغرب الإسلامي فسجن بسببها، وكان أبو القاسم الطوري ـ الذي ولي مظالم القيروان في آخر دولة الأغالبة ظريفا مليحا ـ إذا وجب على رجل السجن أخذه واستصحبه، وسأله البلوغ معه في حاجة وضاحكه، ويأخذ بِهِ إلى طريق السجن، فإذا وقف بِهِ
(1) - يذكر ابن قتيبة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حبس في التهمة حبسا يسيرا حتَّى استبرأ. في حين ذكر بعضهم أنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر - رضي الله عنه - لم يكن لهما سجن ولا سجنَا أحدا. انظر: عيون الأخبار، 1/ 72. النبهاني: قضاة الأندلس، 206. وانظر صبحي الصالح: النظم، 321 - 322.
(2) - النبهاني: قضاة الأندلس، 206. وانظر: الثميني: الورد البسَّام، 124 - 125. ويقول ابن تيميَّة «إنَّ الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيِّق، وإنَّما هو تعويق الشخص، ومنعه من التصرُّف بنفسه». انظر: مجموع الفتاوي، ج35/ 398 - 399. وانظر: مولوي: الإدارة العربيَّة، 105.
(3) - ابن فرحون: تبصرة، 136.
(4) - ابن سحنون: أجوبة (مخ) ق61و.