الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٧٣على السجن قال له اصعد وسننظر في أمرك فكان إذا نُظر إليه يقصد السجن فزع كلّ من كان يمشي معه»(1).
ويبدو أنَّ قضاة الأغالبة كانوا كثيرا ما يلجأون إلى حبس المجرم، فقد وجدنا العديد من العلماء فضلا عن العامة أدخلوا السجن(2)، بل إنَّ من القضاة من زجَّ بِهِ في تلك السجون كعبد الله بن أحمد بن طالب الذي قتل في السجن وعبد الله بن أبي الجواد الذي تأثَّر بأسواط سحنون فمات في السجن، ومحمَّد بن مفرج المعروف بابن الشاعر قاضي قسطيلية الذي حبس في سجن الأربس إلاَّ أنَّه أخرج منه(3).
ويذكر النويري أنَّ زيادة الله الثالث لمَّا وصلته أخبار هزيمة الأغالبة أمام الشيعي أبي عبد الله «أظهر أنَّه جاءه الفتح وأرسل إلى السجون فأحضر رجالا منها فضرب أعناقهم وأمر أن يطاف برؤوسهم في القيروان … »(4)، وهذا من الظلم الفاحش الذي أنهى بِهِ الأغالبة حكمهم لإفريقيَّة، وكأنِّي بهذا الأمير أراد أن يُشغل الرعيَّة بتلك المجزرة عن حقيقة استعداداته للهروب بنفسه وخزائن إفريقيَّة إلى المشرق.
وإذا تطرَّقنا إلى الظروف التي كان يعيشها المساجين في سجونهم بإفريقيَّة وجدنا القاضي عياض يذكر أنَّه مَرَّ عيسى بن مسكين يوما على سجن فأسمعه بعض مِمَّن سجنه ما يكره فكلَّمه في ذلك بعض من حضره، وقال: من يصبر على هذا؟ فقال القاضي عيسى بن مسكين «من أين كلَّمني؟ قالوا من السجن فقال لهم: ليس عليَّ أكثر من هذا؟ أخذنا كسرته ونمنعه البكاء أو نحو هذا»(5).
(1) - الخشني: طبقات، 164 - 165. نوال تركي: التنظيمات، 195.
(2) - أبو العرب: طبقات، 141. المحن، 472، الخشني: طبقات، 151، 152.
(3) - أبو العرب: المحن، 475. ابن عذاري: البيان، 1/ 110، 142.
(4) - النويري: نهاية الأرب، (الفاطميون) 39.
(5) - عياض: تراجم، 238.