الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٧٤إنَّ هذه الشفقة التي أظهرها عيسى بن مسكين تجاه المساجين نجد أكثر منها عند أبي عمرو هاشم بن مسرور المتوفِّى سنة 307هـ، وكان صاحب فرن، قال «كتب إليَّ أهل السجن رقعة يذكرون لي فيها ما هم فيه من الجوع والضيق وسوء الحال ويستحكمون الله عزَّ وجلَّ عليَّ وكنت في ضيق من الحال، ولم أجد ما أمد يدي إليه إلاَّ مهراسا من نحاس كان عندي من تركة أبي فبعته بنحو ثلاثة دنانير واشتريت لهم قمحا، وعملته خبزا ومضيت بِهِ إلى السجن وفرَّقته عليهم»(1).
إنَّ هذه الرواية تشير بوضوح إلى ظروف قاسية كان يعيشها بعض المساجين في أواخر عهد الأغالبة وأوائل عهد الفاطميين بإفريقيَّة.
وممَّا يدلُّ على وفرة المحبوسين عند الأغالبة أنَّ أحد رجال سوسة الفضلاء من أصحاب سحنون كان ابن الأغلب يزوره فسأله الأمير مرَّة هل له حاجة يريد قضاءها فامتنع الرجل وعزم عليه الأمير فقال عندئذ ثلاث حوائج قال هي مقضية فما هي؟ وكان ثالثتهنَّ إخراج مَن بالسجن من المحبوسين «وكان ذنبهم عنده عظيما»(2)، ويبدو أنَّ هؤلاء من المساجين السياسيين وليسوا من مساجين القضاء لأنَّ العلماء لا يتدخَّلون في شؤون القاضي إلاَّ أن يكون قاضي جور.
وتشبه هذه الرواية التي كانت للأغالبة رواية أخرى للرستميين على عهد أبي اليقظان بن أفلح الذي جاءه أحد فقهاء تيهرت البارزين واشتكى إليه جور صاحب حرسه عندئذ أمر أبو اليقظان بإطلاق سراح كلّ من حبس في تلك الليلة إجلالا لذلك الشيخ الورع(3)، وتطبيقا لتدخُّله ونصيحته، ويعلِّق الشمَّاخي
(1) - المالكي: رياض، 2/ 148 - 149. وانظر مولوي إذ يذكر أنَّ الناس كانوا يعطون المساجين صدقات لمعيشتهم وظلَّ ذلك قائما حتَّى أبطله عليَّ بن أبي طالب الذي تولَّى الإنفاق على المساجين من موارد بيت المال. الإدارة العربيَّة 309.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 486. عياض: تراجم، 300 - 302.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 83. الشمَّاخي: سير، 223.