الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٧٦ولم تتحدَّث مصادرنا التاريخيَّة عن حبس النساء الأمر الذي وجدناه في المصادر الأخرى، فابن عبدون الأندلسي يقول «لا تسجن النساء مع الرجال في سجن واحد، لا يكون سجَّان النساء إلاَّ شيخا مزوَّجا عفيفا، ويُتفقَّد سيرته فِيهِنَّ ولا يطول سجنهنَّ»(1). وذكر كذلك أنَّه من الواجب على القاضي أن يسجن من وجب عليها الحبس من النساء «عند امرأة قابلة خيِّرة قد عرف القاضي فضلها … ويجعل لها القاضي أجرة على ذلك من بيت مال المسمين»(2).
لا نستبعد إطلاقا أن يكون قضاة بلاد المغرب الإسلامي قد حبسوا النساء في سجون غير سجون الرجال تفاديا للاختلاط، وما يمكن أن ينجرَّ عنه إلاَّ أنَّنا لا نعرف ما إذا اتَّخذوا نساء وبيوتهنَّ سجونا للمجرمات من النساء وأجروا لهنَّ أرزاقهنَّ من بيت المال.
والخلاصة إنَّ هذه الأنواع من العقوبات على كثرتها، لا يراد بها إلاَّ العدل الخالص وهو غاية صعب منالها يكفي أنَّ أغلب قضاة المغرب كانوا ذوي نيات حسنة في قضائهم حاولوا جهدهم لتحري الحقيقة وتطبيق الحكم القضائي الشرعي(3) الأكثر عدلا، وكلّ ذلك مخافة الجور وبوائقه.
ومهما تعدَّدت أنواع العقوبات التعزيريَّة والتأديبيَّة في المغرب الإسلامي قبل عهد الفاطميين، فإنَّ هؤلاء الأخيرين ابتكروا أنواعا جديدة أكثر صرامة وأبعد عن الشرع وأقرب إلى المثلة كقطع اللسان والقتل بالمرضاخ والضرب عريانا، والتطويف عريانا على حمار(4). فلقد شهدت فترة الفاطميين «كافة ضروب التعذيب البشع من خلع الأسنان إلى سمل الأعين وبقر
(1) - ابن عبدون: رسالة، 209.
(2) - نفسه 209.
(3) - علي أحمد: القضاء في المغرب، 45.
(4) - أبو العرب: طبقات، مقدِّمة المحقِّقين، 18 - 19. وانظر: كتاب المحن، 473 - 477.