القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٧٨

ونتيجة لهذا العلم الفائض عند أغلب قضاة المغرب؛ رفض الكثير مِمَّن عُرض عليه القضاء توليه شفقة عَلَى نفسه من مسؤوليَّته الخطيرة وخوفا من الوقوع في الجور. فكان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «القضاة ثلاثة»(1) بين عيني قضاة المغرب دائمًا، يقودهم ويوجِّههُم الوجهة التي يريدها الله ورسوله ويرتاح إليها ضميرهم ويرضى بها الإنسان الذي جُبل عَلَى حبِّ العدل والميل إليه عندما تكون سوقه رائجة وخيره فائض.

نتيجة لهذا العلم إذن وبمثل هَذِهِ الأحاديث الصارمة تجاه القضاة، رفض أغلب من عرض عليه القضاء المنصب، ولقد رأينا كيف أن ابن فروخ أجبر للجلوس للحكم بين الناس في المسجد فلم يجد وسيلة إِلاَّ البكاء أمام المتخاصمين بعد أن أعيته جميع الوسائل الأخرى، أمام إصرار الوالي القوي روح بن حاتم(2) وماطل سحنون بن سعيد الأمير الأغلبي عامًا كاملاً(3) علَّه يتركه إِلىَ غيره، ولكن إصرار أبي العبَّاس محمَّد بن الأغلب كان أقوى من مماطلة سحنون وإبائه. ولم يتولَّ عيسى بن مسكين القضاء لإبراهيم الثاني إِلاَّ بعد أن هدَّده هَذَا الأخير بتولية جائر، إن رفض المنصب، عندئذ لم يجد حلاًّ أمامه سوى الرضوخ للواقع،(4) فتولاَّه مخافة أن يكون مسؤولاً عن الجور الذي يصدر عن القاضي الذي وصفه الأمير نفسه بالجور … وكذلك الأمر بالنسبة لمحكَّم الهواري، الذي أبى أن يقبَل المنصِب، لولا أن حمَّله الشراة مسؤولية كلّ دم يراق بغير حقِّه، أو فرج يُوطأ بغير وجهه. ثمَّ قالوا له «اتَّقِ

(1) - «القضاة، ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنَّة» حديث مشهور، انظر عنه وكيع: أخبار القضاة، 14 هامش1، وص14 - 19.

(2) - المالكي: رياض، 1/ 183.

(3) - عياض: تراجم، 99.

(4) - الجودي: تاريخ قضاة، (مخ) 15و؛ ابن عذاري: البيان، 1/ 109.

٥٨٥ / ٧٤٣