الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٧٩الله ولا تُخالِف الإمَام والمسلمين»(1) لأنَّ في مُخالفتِهم التهلُكَة كلّها؛ فأجبروه بذلك عَلَى قبول القضاء.
إنَّ هؤلاء القضاة؛ هم الذين اعتبروا تولِّي المنصب بلاء، ألم يقل إسماعيل بن درار الغدامسي لشيخه لمَّا سأله هَذَا «أتريد أن تكون قاضيًا يا بن درار؟» فأجابه «أرأيت إن ابتليت بذلك! فبماذا تأمرني يرحمك الله؟»(2) وقال مثل ذلك سحنون بن سعيد لمن أنَّبه عَلَى قبوله القضاء من العلماء الزهَّاد، إذ بعدما قدَّم له الحجج والتبريرات التي ألجأته إِلىَ قبول المنصب، ختم قائلا «وبعد هَذَا كلّه فقد ابتليت، فعليك بالدعاء فألزمه لي نفسك والسلام عليك»(3) وكان عيسى بن مسكين عندما يتحدَّث عن أيَّام قضائه يقول «كنت في بليَّتي … وكنت أيَّام تلك المحنة … »(4) واعتبر القاضي الرستمي محكم الهواري القضاء كالحق المر وقال «إنَّ الحقّ مرّ أمرّ من شرب الدواء ولا يشرب الدواء إِلاَّ كرهًا»(5) أمَّا ابن طالب القاضي الأغلبي الذي ابتلي بلاء كبيرًا في قضائه فكان يدعو قائلاً «اللهمَّ لا تُمِتْني وأنا قاضٍ فمات بعد عزله نحو شهر»(6).
إنَّ أمثال هؤلاء القضاة في الورع والدين والعلم، كيف وأنَّى يكون منهم الجور وهم الذين هربوا منه واعتبروا القضاء بليَّة يبْتَلِي الله بها عبده ويمتَحِن علمَه وصبْرَه عَلَى قولِ الحقّ، بخاصة إذا كان في عهد حاكم جائر.
ومن مظاهر العدل البارزة، كذلك تلك الاستشارات الواسعة التي عقدها الولاة والأيمة الأمراء في بلاد المغرب؛ لاختيار القضاة: فالقاضي أبو المغيرة عبد الله
(1) - ابن الصغير:50.
(2) - الدرجيني: طبقات، 1/ 21.
(3) - المالكي: رياض، 1/ 425.
(4) - عياض: تراجم، 252.
(5) - ابن الصغير: 50.
(6) - الجودي: تاريخ، (مخ)، ق 14، و.