القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٨١

أكثر من خلال هَذِهِ النماذج الحيَّة من مظاهر العدل، بل هي صور ناطقة بالعدل المطلق، مارسه أغلب القضاة وشجَّعه بعض الحكَّام.

لا شكَّ أنَّ الجور كان سمة العهد الأخير من الحكم الأموي، بخاصة بعد عهد عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - (99هـ - 101هـ)؛ وَهُوَ السبب في انهيار دولتهم وقيام دولة العباسيِّين التي حاولت أن تقضي عَلَى جور بني أمية. ويبرز هَذَا في المحاورة التي جرت بين قاضٍ كان في القيروان أيَّام بني أمية وبين الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي؛ إذ قال هَذَا الأخير للقاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم الشيباني الإفريقي: «يا ابن أنعم؛ ألاَ تحمد ربَّك الذي أراحك مِمَّا كنت ترى بباب هشام بن عبد الملك وذوي هشام؟ … فقال عبد الرحمن: ما أمرٌ كنت أراه بباب هشام؛ إِلاَّ أنَّني أرى اليوم منه طرفًا بالقيروان. فبكى لها أبو جعفر ثمَّ قال له: فما منعك أن ترفع ذلك إلينا … فقال: إني رأيت السلطان سوقا وإنَّما يرفع إِلىَ كُلِّ سوق ما يجوز فيها … فبكى لها أبو جعفر … »(1) وعيَّنه قاضيًا بعد أن استقامت له إفريقية واستعادها من الإباضيَّة عام 145هـ/762م، وكانت سيرته القضائيَّة محمودة مشكورة في عمومها.

أمَّا القاضي أبو كريب عبد الرحمن (جميل) بن كريب الذي استقضي أيَّام ثورة ورفَجومة الصفرية، والذي كان أحد ضحاياها سنة 139هـ/756م، فإنَّه لحرصه عَلَى الحقّ والعدل «كان ربَّما تبين له الحكم بالليل، فيأتي دار من ثبت الحقّ له فيقرع عليه بابه … ويأمره بِأَن يحضر صالحي جيرانه ليشهدهم له، فيقول له: لو تركتَ هذا إلى الغد، فيقول القاضي: فلو متُّ أنا في ليلتي هَذِهِ، أمَا أكون أنا الذي أضعت عليك حقَّك؟»(2).

إنَّ هَذِهِ المحاسبة الدقيقة للنفس، وهذه الصرامة في العدل تتجلَّى عند هَذَا

(1) - أبو العرب: طبقات، 100 - 101؛ وكيع: أخبار القضاة، 3/ 215.

(2) - المالكي: رياض، 1/ 171.

٥٨٨ / ٧٤٣