القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٨٢

القاضي لما أوقَف أحد الولاة من الفهربيين(1) أمام خصمه في الجامع، فقال له أبو كريب «ما تقول فيما ادعاه (خصمك) بحضرتك؟»؛ فأنكر (الوالي) دعواه فطلب خصمه يمينه، فاستحلفه أبو كريب، فأبى … أن يحلف. فقال له أبو كريب: «إنِّي أحكم عليك بنكولك عن اليمين». وبالفعل حكم القاضي عَلَى هَذَا الوالي لخصمه من الرعيَّة، وقد كان أبو كريب رائعًا وشجاعًا في حكمه، وكان الوالي أروع وأشجع لمَّا قال بعد ذلك الحكم «الحمد لله الذي لم أمت حتَّى جعلت بيني وبين الله عزَّ وجلَّ من يحكم بين عباده بالحقِّ»، فقال أبو كريب «وأنا أقول: الحمد لله الذي لم أمُت حتَّى رأيت أميرًا يشكر الله عزَّ وجلَّ بالقضاء عليه بالحق»(2).

وكان هَذَا القاضي ربَّما وُجِد وحيدًا في المسجد، فيقال له: إنَّ الناس قد انصرفوا فلماذا لا تنصرف أنت إِلىَ دارك؟ فيقول لهم: «ومن لي بالملهوف المضطرّ إذا قصدني فلم يجدني؟»(3) وتشبه هَذِهِ القصة ما روي عن القاضي يزيد بن الطفيل الذي يجلس في مجلس قضائه بالمسجد ولا يأتيه أحد لقلَّة الخصومات في ذلك الزمان فينعس(4).

ومن المعروف أنَّ هَذَا القاضي تولَّى المنصب مرَّتين: إحداهما عَلَى عهد بني أمية، وأخراهما في عهد يزيد بن حاتم (155 - 171هـ)، ولعلَّ القصَّة تشير إِلىَ هَذِهِ الفترة الثانية.

(1) - النص يذكر الوالي: يزيد بن حاتم، الذي تولَّى ولاية المغرب سنة (155 - 171هـ) في حين نعلم أنَّ أبا كريب القاضي استشهد في معركة ضدَّ الصفريَّة سنة 139هـ. انظر: رياض، 1/ 169 - 170.

(2) - المالكي: رياض، 1/ 163 - 170، وانظر: رواية مشابهة وقعت للقاضي: أحمد بن أبي محرز، في عهد الأغالبة، وقد سبقت الإشارة إليها. الدباغ: معالم، 2/ 45.

(3) - نفسه، 1/ 171.

(4) - أبو العرب: طبقات، 106؛ المالكي: رياض، 1/ 173.

٥٨٩ / ٧٤٣