الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٨٣وشَتَم رجلٌ القاضي عبد الله بن عمر بن غانم، وأغرق في سبِّه لأنَّه كان قد حُكم عليه لصالح أخت هذا الرجل، والقاضي حليم به لم يأبه إلى سبِّه ولا إلى شتمه، بل إنه لمَّا التقيا مرَّة أطعمه وبرَّه، ولمَّا أراد مفارقته قال له الرجل: «يا أبا عبد الرحمن، اغفر لي … فقال: أمَّا هذا فلست أفعله حتَّى أخاصمك بين يدي الله تعالى، وأمَّا أن ينالك في الدنيا مكروه أو عقوبة فأنت آمن من هذا»(1) وهكذا تركه لتوبيخ ضميره بعد أن أمَّنه في دنياه، وهو القادر أن يفعل به ما يشاء باسم القضاء والقانون.
ومن مظاهر العدل كذلك تلك الظاهرة الفريدة من نوعها، وهي أن يعرض القاضي ممتلكاته عَلَى الناس من تلقاء نفسه، ويقول لهم «إني قد أحضرت إليكم جميع مالي لأريكم إيَّاه، فإن زدت عَلَى ما ترون شيئًا فأنا خائن … »(2) ومن نافلة القول، إنَّ هَذِهِ الممارسة لا زالت قائمة إِلىَ يومنا هَذَا في بعض الأنظمة تفرضها قوانينها فرضا واجبًا عَلَى كلّ من يتولى شيئًا من وظائفها العليا.
وفي عهد إبراهيم الثاني الأغلبي، الذي امتاز عهده بكثرة الروايات التاريخيَّة لطول حكمه من جهة، وتقلُّباته العديدة التي أثَّرت على الرعية من جهة أخرى(3) عُزل القاضي عبد الله بن هارون السوداني الحنفي (حوالي 278هـ إِلىَ 280هـ/891م - 893م) فوقفه الأمير في جامع رقادة في بيت من حصر وأمر عيسى بن مسكين القاضي من بعده بالنظر عليه، فلم يجد قِبله شيئًا مكروها ولا أحدًا مطلوبًا، ولمَّا أعلم الأمير بذلك، وقال له: قد نظرت عليه فلم أجد إليه سبيلاً عندئذٍ، قال الأمير إبراهيم الثاني «الحمد لله الذي صدق ظني به فما ظننت إِلاَّ خيرًا»(4).
(1) - الرقيق: تاريخ، 193.
(2) - أبو العرب: طبقات، 167؛ وانظر نوال تركي: التنظيمات، (أطروحة) 185، 209.
(3) - لقد خصَّص له محمَّد الطالبي فصلا مستقلا هو الفصل الخامس من كتابه الدولة الأغلبية، وعنوان الفصل: عصر إبراهيم الثاني العظمة والجنون- الذروة والأفول. 295، 349.
(4) - الخشني: طبقات، 238.