الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٩إن تلك العبارة مبالغ فيها، فهذه المصادر ألفها أصحابها في ذكر مناقب الإباضية بالدرجة الأولى وبالتالي لم تشر إلا عرضاً إلى ما يمكن أن يكون وظيفة تولاها هذا الشيخ أو ذاك وليس هناك من الوظائف ذات الأهمية إلا الولاية والقضاء فضلاً عن الإمامة.
لقد بذلت جهدي لاستخلاص بعض العبارات المؤدية لمعنى الاستقضاء أو الحكم عندما لا يصرح المؤلف عن تولي المترجم له لمنصب القضاء لأن الهدف من الترجمة ذكر المناقب الدينية من كرامات واستجابات للدعاء وهو ما لاحظه الدكتور محمود إسماعيل عندما قال بأن مصادر الإباضية "تسرف في ذكر الخوارق والمعجزات والمعلومات ذات الطابع الأسطوري مما يؤثر في أهميتها التاريخية"(1).
والحقيقة أن ذكر الخوارق والمعجزات ظاهرة للعديد من المصادر في العصور الوسطى وخاصة تلك التي يشكو أصحابها القهر السلطاني أو التعسف الإداري أو الاختلاف المذهبي مع مذهب الدولة وهي حالات الإباضية بعد سقوط دولتهم الرستمية.
إن أهم مصدر في تاريخ الرستميين هو لابن الصغير (حي في القرن 3ه/ 9م)(2) الذي لقب بمؤرخ الرستميين، علماً بأنه يتمذهب بمذهب مغاير للإباضية ويصرح بذلك عندما يذكر أنه سوف يكون أميناً في أخباره ويقول: "وإن كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين … "(3)، فابن الصغير المعاصر للرستميين والمقيم في عاصمتهم تيهرت تاجراً وطالب علم(4) احتفظ لنا في كتابه
(1) - محمود إسماعيل: قضايا في التاريخ الإسلامي منهج وتطبيق، دار العودة، بيروت، 1974.
(2) - ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين، تح. د. محمد ناصر وبحاز إبراهيم، المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1986.
(3) - نفسه: 27.
(4) - نفسه: 84.