الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٨٤وكان القاضي عيسى بن مسكين لحرصه عَلَى العدل، يقوم في الليل فيذكر قصص المتخاصمين عنده واحدًا واحدًا، ويسأل الله أن يحمله فيها عَلَى السداد(1).
وربما جار بعض ولاة الأمور واعتدوا عَلَى الناس وبخاصة في أواخر عهد الأغالبة فَهَذَا عامل القيروان عَلَى عهد زيادة الله الثالث يقتل إنسانا بغير حقّ، فتوجَّه إليه القاضي حماس بن مروان يعظه في سفك الدماء فأنف العامل، وقال «ما لحماس وَهَذَا؟ أنا سلطان أنظر في الدماء» فتوجَّه القاضي إِلىَ تونس حيث يوجد الأمير الأغلبي، واستطاع بصعوبة أن يدخل عليه فأخبره الخبر، فكتب زيادة الله بعزل العامل عن القيروان والتوجيه فيه. وصرف حمَّاسًا مكرَّمًا(2).
إنَّ هَذِهِ الأمثلة الرائعة من القضاء العادل في إفريقيَّة عَلَى عهد الولاة والأغالبة نجد أشباهها عند قضاة الرستميِّين. فالإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم ـ الذي أكثرت المصادر من رواية أخباره، تمامًا مثل الأمير إبراهيم الثاني الأغلبي، ربَّما لطول مدَّة حكمه هو الآخر، من جهة، ولإقامته فترة من الزمن بجبل نفوسة وحربه للأغالبة من جهة أخرى ـ عندما كان بنفوسة يذكر البغطوري أنَّ أهل عسكره أطلق مواشيهم في الأصل(3) فكان الفساد منهم، فأتاه أبو عبيدة عبد الحميد الجناوي، أحد القضاة فيما بعد فقال له «إنَّ أصحابك أطلقوا في الأصل فكان الفساد منهم، فإن لم تعلم فقد أعلمناك، فإن علمت وتركت فليس بيننا وبينك، إِلاَّ هَذَا وضرب، عَلَى قائم سيفه بيده. وكان الإمام متَّكئًا فقعد … وقال: صدق والله … قالها ثلاثا»(4).
(1) - عياض: تراجم، 238.
(2) - نفسه: 349.
(3) *- لعلَّ المقصود بالأصل هو الأراضي المخصَّصة لزراعة القمح والشعير.
(4) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ) ق 75.