القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٨٥

لقد تجرَّأ عبد الحميد الجنَّاوي أن يخاطب إمامه بذلك الخطاب الصارم وأن يصدع له بالحقِّ، رغم ما وصف به الإمام عبد الوهَّاب من هيبة ورهبة تتجلَّيان في قول ابن الصغير « … كان ملكًا ضخمًا وسلطانًا قاهرًا»(1) اشتدَّ أمره وقوي عليه «وانتقل من حال الإمامة إِلىَ حال الملك»(2).

أمَّا محكَّم الهواري قاضي تيهرت فإنَّه عندما علم أنَّ أخ الإمام أفلح جاءه وجلس إِلىَ جانبه وشرب من عنده وَهُوَ خصم لرجل من الرعيَّة جاء يشتكي منه عنده فخاف العاقبة رأى ذلك المنظر فتردد «في الدخول عند القاضي ولحسن حظه لمحه هَذَا الأخير فاستفسره عمَّا يريد، فأخبره الخبر عندئذ غضب القاضي غضبًا كبيرًا ووبَّخ أخ الإمام، وأوقفه أمام دار القضاء، حيث كان خصمه، وأجلس هذا الخصم إلى جانبه حيث كان أخ الإمام وناوله الماء تمَامًا، مثلما فعل مع الأول ثمَّ أجلسهما متساويين أمامه وحكم عَلَى أخ الإمام لصالح خصمه»(3).

ولمَّا وصل خبر هَذِهِ القضيَّة عند الإمام أفلح بشكوى أخيه من القاضي، قال له أفلح إنَّ «الصواب ما فعل والحقّ أولى أن يؤثر، ولو فعل غير هَذَا لكان مداهنًا»(4).

وتبدو صرامة القاضي عند الرستميِّين وإيثاره للعدل المطلق في القاضي: محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ، الذي كان يرى أنَّ الأيمَّة وأبناءهم من المفروض أن يكونوا فوق كلّ الشبهات، وينبغي أن يكون الجميع قدوة طيِّبة للرعيَّة. لذا

(1) - ابن الصغير: أخبار، 43 - 44.

(2) - نفسه، 51 - 52.

(3) - نفسه، 51 - 52.

(4) - نفسه، 52.

٥٩٢ / ٧٤٣