الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٨٦نجده استقال من منصب القضاء مغضبا؛ لأنَّه لاحظ أنَّ أحد أبناء أبي اليقظان ارتكب بعض الأخطاء مستغلاًّ في ذلك كونه من أبناء الإمام عَلَى حدّ تعبير الدكتور محمَّد الحريري،(1) ولم يصبح الصباح إِلاَّ وقد قصد القاضي أبا اليقظان، فرمى إليه بخاتم القضاء وقمَطره، حتَّى لا يتحمَّل مسؤولية بعد ذلك أمام الله، وحتى يقدم درسًا أو نصيحة ربَّما قاسية لجميع أفراد الأسرة الرستمية.
وقد سبق أن ذَكَرنا تلك الرقابة الشديدة التي كان الفقهاء الشراة يتولَّونها عَلَى جميع الوظائف ابتداءًا من الإمامة إِلىَ أدنى مسؤوليَّة في أجهزة الدولة، ولا أدل عَلَى ذلك من الرسالة التي أرسلها أحد هؤلاء الشراة إِلىَ آخرَ في مدينة شباهة بفزان في المغرب الأدنى يطلبه فيها أن يكون عينا عَلَى قاضي البلدة، وأن يعلمه بما يراه منه من خير أو شرّ(2).
أمَّا في المغرب الأقصى فلا نرى أن يشذّ حكام تلك المناطق وقضاتهم، عن هَذَا الجو العام من العدل بخاصة الأدارسة الذين يغلب عليهم المذهب الزيدي الذي يشترط كما يقول محمود إسماعيل، «ضرورة أن يكون الإمام عادلاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لأنَّ القبح في أحوال العباد منهم وليس من الله»(3) وبالتالي وجب أن يكون القضاة عدولاً. تمامًا مثلما يجب ذلك في دولة المدراريِّين انطلاقًا من مذهبهم الخارجي الذي يدعو إِلىَ الحقّ وَإِلىَ المساواة.
والخلاصة، كان القضاة الرستميون «على نزاهة تامَّة وإنصاف لا ينازعهم فيه منازع وذمة بريئة من كلّ شائبة من الشوائب … »(4) كما كان قضاة الأغالبة
(1) - مقدمات البناء السياسي، 230؛ وانظر القصَّة في ابن الصغير: أخبار، 78 - 80.
(2) - جناو بن فتي وآخر: أجوبة علماء فران، 105؛ وانظر: مقدِّمة المحقِّق، 38؛ الشمَّاخي: سير، 191.
(3) - الأدارسة: 23؛ وانظر ابن عذاري: البيان، 1/ 83 - 84؛ ابن أبي زرع: الأنيس، 53.
(4) - الكعاك: موجز، 182.