الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٨٧وغيرهم في الدول الأخرى «يتحلَّون بدرجة عالية من النزاهة، وعدم المحاباة … وإنَّ ثمَّة من الأسباب ما يدعو إِلىَ الاعتقاد، بأنَّ القاضي كان يحاول في معظم الأحيان أن يلتزم بالمثل السامية الواردة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف»(1).
تلك شهادة مستشرق عَلَى عدل القضاة ببلاد المغرب والتزامهم الدين القويم، وإخلاصهم لهذه الوظيفة الدينيَّة الإجتماعية مهما كانت الظروف ومهما جار من جار من الحكام.
ب ــ مظاهر الجور في القضاء بالمغرب
إذا كان العدل ظاهرة بعامةفي بلاد المغرب، في فترة موضوعنا ومظاهره من الكثرة بحيث لا نكاد نحصيها، فإنَّ الجور ظاهرة شاذَّة في القضاء ببلاد المغرب، بحيث لا تكاد تظهر حتَّى يقضي عليها العدل الفائض. ومن هنا كانت مظاهر الجور نادرة وفي فترات محدودة ضيقة.
في البداية أشير إِلىَ أنَّ القضاة الذين وصفوا بالجور أو نسب الجور إِلىَ حُكمهم يكاد يكونون كلّهم من الأحناف أو المعتزلة في إفريقيَّة؛ لذا لاحظت أنَّ الصراع المذهبي ألجأ إِلىَ نوع من الجور، ولا أقول الجور المطلق؛ لأنَّ رواياتنا في هَذَا المجال إِنَّمَا هي روايات مَالكِيَّة في مصادر مَالكِيَّة. وبالتالي لا نرتاح كلّ الارتياح إِلىَ ما ذكرته تلك المصادر في هَذَا الخصوص؛ هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى لا يكون الجور من القاضي، إِلاَّ ويكون الوالي أو الأمير أو الإمام وراء ذلك لا محالة.
لقد لا حظت أنَّ الصراع المذهبي ألجأ إِلىَ نوع من الجور كما أنَّ بعض الجور الذي اقترفه بعض القضاة، إِنَّمَا كان بإيعاز من بعض الحكام ببلاد المغرب
(1) - هوبكنز: النظم، 218.