القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٨٨

بحيث كانوا أقوى نفوذًا وشخصية من قضاتهم الذين من المفروض أن يكونوا أقوياء بصرامتهم وهيبتهم، إِلاَّ أنَّ ركونهم إِلىَ الدنيا، عَلَى ما يبدو، أورثهم ذلاًّ وضعفا أمام الحكام، فاستكانوا لغلبتهم وسلطانهم، وقبلوا ما يملى عليهم. ولحسن الحظ لم يكن هؤلاء القضاة بالكثر، هَذَا إن سايرنا ـ كما قلنا ـ ما ذكرته المصادر المَالكِيَّة عن القضاة الأحناف والمعتزلة.

لعلَّ أوَّل القضاة الذين وصفوا بالجور فعلاً، في وقت لم تكن فيه المذهَبيَّة قد طغت في إفريقيَّة، بخاصة تلك التي عرفت بين الحنفيَّة والمَالكِيَّة والمعتزلة، هو ماتع بن عبد الرحمن، الذي عيَّنه الوالي يزيد بن حاتم (155 - 171هـ/771 - 787م) قاضيا في القيروان بعد عزل عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم، أو انعزاله من تلقاء نفسه سنة: 159هـ/775م.

يذكر أبو العرب أنَّ القاضي ماتع بن عبد الرحمن الرعيني «كان، فيما ذكروا، رجل سوء»(1) ويوضح هَذَا السوء قائلاً، بأنه «كان إذا سجَّل القضيَّة وختم في أسفلها يكتب تحت الطابع «بقي شيء ـ يعني الرشوة ـ»(2) ويضيف أبو العرب عن ماتع أنه خلَّف بعد موته طومارًا مكتوبًا فيه «إنما حكمت لفلان عَلَى فلان؛ لأنَّ فلانًا سألني فيه» يعني بعض السلاطين»(3).

إنَّ ما ذكره أبو العرب عن هَذَا القاضي من السوء نجد الذين جاؤوا من بعده ينقلون عنه أخباره،(4) التي تتخلَّص في قبول الرشوة والحكم لصالح من لا حقّ له خضوعًا لبعض الحكام الأقوياء في زمانه.

(1) - أبو العرب: طبقات، 104.

(2) - نفسه، 104.

(3) - نفسه، 104.

(4) - المالكي: رياض، 1/ 159؛ الحشني: طبقات، 186.

٥٩٥ / ٧٤٣