القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٨٩

ويبدو أنَّ هَذَا القاضي شعر بالجور الذي كان يرتكبه، ومن هنا ترك ذلك الطومار أو الدفتر شهادة بينه وبين الله؛ يكشف فيه جوره في بعض القضايا كما يكشف فيه تدخل بعض الحكام في القضاء وإجبار القاضي عَلَى الحكم لهذا الخصم ضدَّ الآخر جورًا وابتعادًا عن العدل.

لكن السؤال المطروح ههنا من يكون هؤلاء الحكام الذين عبر عنهم أبو العرب بالسلاطين الذين تدخلوا في شؤون القضاء؟ هل هو الوالي يزيد بن حاتم؟ علما بأنَّ القاضي ماتع بن عبد الرحمن إِنَّمَا استقضي في فترة من عهد هَذَا الوالي لا غير؟

إنَّ السيرة التي ذكرت لهذا الولي تنم عن إيمان خالص وشخصية قويَّة وكرم وعزَّة نفس(1) فلعل هَذِهِ الصفات هي التي جعلت الوالي يزيد بن حاتم يطلع عَلَى شؤون القضاء ويقول فيها كلمته، ولقد عرفنا أنَّه فتح سجلاًّ لامرأة من خواص حرمته كان القاضي الأسبق عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم قد ختمه بخاتمه وأعطاه لها، فبكت المرأة وخافت أن لا ينفعها الحكم الذي كان في صالحها إذ فضَّ خاتم القاضي، فقال لها يزيد لا تجزعي، أنا أوجهه إِلىَ القاضي، فيختمه كما كان. ولكن القاضي ابن زيَاد، لم يكن بهذه السهولة، أبى ذلك إِلاَّ أن تعيد المرأة البيِّنة … ثمَّ كسَّر خاتمه ودخل بيته، وقال: أنا أسبقه إِلىَ العزل، فخرج بجلده ودرَّته نحو تونس منعزلاً(2).

وممَّا يؤكِّد أنَّ هَذَا الوالي الذي قصده ماتع بن عبد الرحمن في إشارته السابقة، هو أنَّ عزل يزيد بن حاتم لعبد الرحمن بن زيَّاد عن القضاء يعود إِلىَ « … أنَّه سأله في حكم أن يحكم فيه بغير حقّ فأبى عليه»(3).

(1) - ابن عذاري: البيان، 1/ 78، 81 - 82؛ الرقيق: تاريخ، 120.

(2) - المالكي: رياض، 1/ 158 - 159.

(3) - أبو العرب: طبقات، 99.

٥٩٦ / ٧٤٣