القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٩٠

لقد كان يزيد بن حاتم رجلاً قويًّا ذا شخصيَّة قاهرة(1) طغت عَلَى القضاة، فإن كان أحدهما انعزل واستقال أو عزل رافضا لتدخل الوالي؛ فإنَّ الآخر رضخ لمطالب هَذَا الوالي، وأصبح يعطي الحقّ لغير أهله، وَهَذَا دليل عَلَى ضعف شخصيَّة هَذَا القاضي وضعف دينه وعلمه؛ ومن هنا حقَّ لأبي العرب أن يشهد قائلاً «ما وجدت عن ماتع عند أحد من مشايخنا علمًا يروونه عنه»(2) ويختم ترجمته العابرة غير المقصودة، بأنَّه «لم يُعلم من قضاة إفريقيَّة الذين تقدَّموا ماتعًا أسوأ حال منه»(3).

لقد كان هَذَا القاضي ـ إذن ـ فريدًا من نوعه بإفريقيَّة لم يسبقه جائر ولا جاهلٌ في هَذَا المنصب، وَهَذَا يؤكِّد مقولتنا: إنَّ القضاة الجورة الذين لا علم لهم شواذّ بإفريقيَّة وبلاد المغرب خلال عهد الولاة، وبالتالي يمكن أن نؤكّد أنَّ العدل في القضاء عَلَى عهد الولاة كان هو الأغلب الأعمّ، إذ أنَّ ماتعًا تولىَّ المنصب في أواخر ذلك العصر.

إنَّ شخصية الوالي كانت أقوى من شخصية القاضي؛ فأدت إِلىَ الجور، ألم نقل إنَّ القاضي الجائر ببلاد المغرب لا يكون جائرًا إِلاَّ مع سلطان جائرٍ يدفعه إِلىَ جوره دفعًا ويقضي به مآربه؟ ذلك ما حصل بالضبط مع يزيد بن حاتم وماتع بن عبد الرحمن.

إنَّ هَذَا القاضي، إن كان قد حكم بالجور انقيادًا ورضوخًا لفلان أو علان من الحكام أو أصحاب النفوذ، وكتب تلك الشهادة «إنما حكمت لفلان

(1) - يذكر المالكي، أنَّ يزيد بن حاتم أرسل إِلىَ ابن فروخ الفقيه يسأله عن دم البراغيث في الثوب، هل تجوز الصلاة به؟ فقال له: ما أرى به بأسا، وقال بحضرة الرسول «يسألوننا عن دم البراغيث ولا يسألوننا عن دماء المسلمين التي تسفك». رياض النفوس، 1/ 184.

(2) - أبو العرب: 105؛ وانظر المالكي: رياض، 1/ 159.

(3) - أبو العرب: نفسه، 105.

٥٩٧ / ٧٤٣