القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٩١

عَلَى فلان لأنَّ فلانًا سألني فيه»، ربَّما نجد له عذرًا في هَذَا ولكن أي عذرٍ نلتمسه له في طلبه للرشوة حيث كان يكتب أسفل القضيَّة «بقي شيء» ويعني بذلك ـ الرشوة ـ؟

إنَّ جميع الملابسات تقضي بأنَّ هَذَا القاضي كان جائرًا فعلاً(1) إِلاَّ أن مصادرنا لم تذكر لنا ضحايا جوره، فلعلهم من العامةالتي لم تهتم المصادر بهم كثيرًا بخاصة منها كتب التراجم والطبقات فإنَّها لا تعير أي اهتمام لِلبعامةإِلاَّ عندما يكون مصيرها مرتبطا بهذا العالم أو ذلك المرابط الزاهد أو أولئك الحكام والجند، ثمَّ إنَّها لم تذكر القضايا التي وقع فيها السوء والجور من قبل هَذَا القاضي؛ أهي اجتماعيَّة أو اقتصاديَّة ماليَّة، أو أخلاقيَّة أم هي كلها.

ونبقى في إفريقيَّة لنقول إنَّ القضاة الذين جاؤوا بعد ماتع بن عبد الرحمن عَلَى عهد الولاة أو العهد الأوَّل للأغالبة، يبدو أنَّهم عادلون لم يصفهم أحد من مؤرخينا بالجور، بل بالعكس من ذلك وصفوا كلّهم بالعلم والتقوى والتحري في إصدار الأحكام القضائيَّة إِلىَ أن كان القاضي عبد الله بن أبي الجواد الحنفي المعتزلي (221 - عزل سنة 232هـ/835 - 846م) الذي تصب عليه المصادر التاريخية والطبقات المَالكِيَّة جام غضبها وتنعته بالظلم والجور والخبث.

إن هذا القاضي، عَلَى ما يبدو لي، لم يكن جائرا جور من يحكم بالباطل في قضائه فيحقّ الباطل ويبطل الحقّ أو جور من يرتشي كماتع سالف الذكر، وإنَّما هو جور مذهبي إن صحَّ التعبير، فلقد ذكرتُ أن المذهَبيَّة والصراع من أجلها قد ألجآ إلى نوع من الجور. فابن أبي الجواد تولىَّ القضاء في فترة الحكام المعتزلة الذين أمروه بامتحان الناس في معتقدهم في القرآن الكريم أهو مخلوق أم لا؟ ومن هنا جاء

(1) - يقول: هو بكنز، إن قاضيا واحدًا فقط من قضاة القيروان كان يتصرَّف تصرُّفا مشينًا، وَهُوَ ماتع بن عبد الرحمن الرعيني، انظر: النظم، 219.

٥٩٨ / ٧٤٣