القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٩٢

ضربه للناس والعلماء بخاصة الذين رفضوا أن يقولوا إن القرآن مخلوق وتمسكوا بأنَّه كلام الله لا غير.

وجور هذا القاضي، إن اعتبرناه جوراً، هو مثل جور المعتزلي الآخر القاضي محمَّد بن أسود الصديني (289هـ-عزل 290هـ/901 - 902م)(1) مع فارق ربَّما اعتبرناه كبيراً، هو أنَّ الأوَّل كان في فترة حُمَّى الاعتزال قبل أن يصدر الخليفة المتوكل قراره بوقف امتحان الناس سنة 234هـ/848م في حين كان الثاني في فترة، المفروض أنَّ الاعتزال و محنة القرآن مخلوق أم لا قد ولَّيا، ولكن ذلك هو الرضوخ لمذهب الأمير و مسايرته فيه إلى أقصى الحدود وهكذا طبعت فترتا استقضاء هذين القاضيين بطابع الاعتزال وجور المعتزلة و ليس لهم من الجور إِلاَّ الامتحان لا غير.

ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ الأميرين الأغلبيين اللذين عيّنا هذين القاضيين أوَّل الأمر كليهما وصف في سياسته بالعنف و القسوة والظلم و هما الأمير زيادة الله الأوَّل (201 - 223هـ) والأمير إبراهيم الثاني(2) (261 - 289هـ) وكليهما غني

(1) - عياض: تراجم، 106، 115 - 117، 344. الدباغ: معالم، 2/ 85، 93.

(2) - محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة، 180وما بعدها، 306 وما بعدها، سعد زغلول: تاريخ، 2/ 43 وما بعدها، 114 وما بعدها، محمود إسماعيل: الأغالبة: 36 - 37.

Vonderheyden: la berberie، p91.

يذكر ابن عذاري أنَّ الأمير إبراهيم الثاني، قتل كثيرا وسجن كثيرا، وطغى وتجبَّر إِلاَّ أنَّه في سنة 289هـ/901م أظهر التوبة، فأراد أن يرضي العامَّة، ويستميل قلوب الخاصَّة، فردَّ الظلم وأسقط القبالات، وأخذ العشر طعاما بعد أن فرضه نقدا، وترك لأهل الضياع خراج سنة وسمَّاها: "سنة العدل" إِلاَّ أنَّ هَذَا العدل لم يدم طويلا لأَنَّ عبد الله بن إبراهيم الثاني استعاد الأموال التي كان قد فرقها أبوه توبة منه رغم أنَّها لم تصل إلى أصحابها المحتاجين فعلا بل أعطيت من لا يستحقِّها وأنفقت في اللذات، وصرفت في الشهوات فعدل الناس عن تسمية العام بعام العدل فسمَّوه عام الجور. انظر: البيان المغرب 1/ 131 - 132، زغلول عبد الحميد 2/ 156.

٥٩٩ / ٧٤٣