الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٩٣عن التعريف فيما اقترفه من ظلم في فترة حكمه، ولا شكَّ أنَّ إبراهيم الثاني يفوق زيادة الله الأوَّل في ذلك بكثير، ولذلك سوف يتردَّد اسمه مرارا في هَذَا المبحث.
نعود إلى القاضي المعتزلي ابن أبي الجواد، ولكن هذه المرَّة مع القاضي الذي خلفه في منصبه بعد عزله، وهو سحنون بن سعيد المالكي، ولقد عرفنا في مبحث من هذا الباب(1) ما جرى بين الرجلين في عهد قضاء ابن أبي الجواد من امتحان وتحريض للأمير بقتل سحنون لأنَّه يقول بخلق القرآن لا غير، وكان سحنون قد اختفى حتَّى لا يمتحن، إِلاَّ أنَّه أدركه القاضي والأمير كلاهما، وامتحنَاه ورغم تحريض القاضي فإنَّ سحنون لم يصبه أذًى كثيرًا من ممارسات هَذَا القاضي المعتزلي.
وعندما دارت الدائرة عَلَى ابن أبي الجوَّاد وخلفه سحنون في منصبه وَهُوَ الذي كان يدعو الله ويتمنَّى أن يرى ابن أبي الجواد بين يدي قاض عدل، يحكم فيه بالعدل(2) فإذا به يكون هو ذلك القاضي، فهل يحكم فيه بالعدل؟
لا نشكّ أنَّ القاضي سحنون بن سعيد كان من القضاة الذين مارسوا وظيفة القضاء بكفاءة عالية ومقدرة تامَّة، وأعطى للقضاء في بلاد المغرب
(1) - انظر المبحث المتعلِّق بالمذهبية، والصراع المذهبي في القضاء، ببلاد المغرب، وهو المبحث الثاني من الفصل الأوَّل من الباب الثالث، وانظر أبا العرب في المحن، حيث يقول: إنَّ سحنون لم يصلِّ وراء القاضي ابن أبي الجواد، ورجع عن صلاة الجنازة عَلَى أخيه من الرضاعة لمَّا علم أنَّ ابن أبي الجواد هو المصلِّي، فكتب هَذَا القاضي، إِلىَ الأمير زيادة الله، يعلِمُه بذلك، فأمر الأمير برسول إِلىَ صاحب مدينة القيروان؛ أن يضرب سحنون خمسمائة سوط، ولكن الوزير علي بن حميد شفع في سحنون، وتدخَّل محذِّرا الأمير، فلم يفعل، انظر: المحن، 465.
والغريب أنَّه يذكر محن القضاة والعلماء والزهاد في مختلف بقاع العالم الإسلامي، إِلاَّ أنَّه لا يشير إِلىَ محنة ابن أبي الجواد عَلَى يد سحنون من قريب ولا من بعيد، فهل هو التستُّر عَلَى إمام من أيمَّة مذهبه؟ أم هو شيء آخر غير ذلك، كعدم وجود القصَّة من أساسها مثلاً، أو ربَّما لأنَّه لا يعتبر ما وقع لابن أبي الجواد محنة وإنَّما هو الحقّ والعدل، جرى مجراه ولا غير.
(2) - عياض: تراجم، 98 - 99؛ الجودي: تاريخ، (مخ)، ق9 و.