الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٩٤الإسلامي رونقا وبريقًا ما كان ليبلغهما؛ لولا شخصية سحنون القويَّة وهيبته المطلقة التي عمَّت الراعي والرعيَّة عَلَى حدٍّ سواء.
إنَّ سحنون بن سعيد نتناوله في هَذَا المبحث من خلال قضيَّة واحدة هي قضيَّة سلفه القاضي ابن أبي الجواد وما آل إليه عَلَى يديه من ضرب وسجن حتَّى الموت.
لقد وجدت مصادر المَالكِيَّة تتحرَّج كثيرًا عند ذكرها لهذه القَضِيَّة،(1) كيف لا وهي لإمام من أيمَّتها بل هو إمامها الأوَّل وقاضيها الأوَّل في إفريقيَّة، ركَّز المَالكِيَّة مذهبا ليس بإفريقية وحدها، وإنَّما ببلاد المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء فيما بعد؛ وكلّ ذلك بتأثير نفوذه عبر العصور واستحضار شخصيته وهيبته والاقتداء بها.
لقد ضرب سحنونٌ ابنَ أبي الجواد ضربا بعد ضرب، حتَّى قُتل متأثِّرًا بذلك الضرب في سجن سحنون، ولا داعي إِلىَ تكرار القصَّة، فهي مشهورة، وقد ذكرناها في هَذَا البحث أكثر من مرَّة فماذا يمكن أن نقول فيها؟.
(1) - المالكي: يسكت عنها مطلقًا، إن لم يكن قد حذفها ناسخ من النساخ، انظر: الرياض، 1/ 375، هامش238؛ أمَّا عياض فإنَّه بحث عن مخرج لسحنون من هَذِهِ الورطة، وأخذ يناقش الآراء الفقهيَّة في ضرب المتلكئ عن الدين: تراجم، 110 - 111؛ أمَّا الدباغ فإنَّه بالرغم من اعترافه أنَّ حكاية ما جرى بين سحنون وابن أبي الجواد، ينبغي أن تكون في كتابه: معالم الإيمان؛ إِلاَّ أنَّه قال: بأنَّه ذكر ذلك في كتاب: المديان، فانظر ها هناك. معالم، 2/ 82؛ ويقول ابن عذاري: إنَّ الناس شنعوا عَلَى سحنون أنَّه قتله: البيان، 1/ 110؛ ويقول ابن خلدون إنَّ سحنون ولي القضاء بعد عزل ابن أبي الجواد، «وضربه سحنون فمات» العبر، 4/ 429، هكذا بلا تعليق. أمَّا الونشريسي؛ فإنه جاء بتفاصيل القضيَّة كلّها ويبدو أنَّه: تتبَّع خيطها، فوجد أنَّها من رواية الرقيق، فأراد أن ينسفها، قائلاً «إنَّ الرقيق المؤرخ مختلق لا يقبل خبره»، وقال: « … هو ليس بثقة، لأنَّه كان شارب خمر متخلِّف، فلا يقبل خبره. والحكاية وإن ذكرها بعض مؤرخي الأندلس، فلعلَّه نقلها من ابن الرقيق»، انظر: المعيار، 10/ 123.