القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٩٥

إنَّه إن صدقت الرواية، فلا شكَّ أنَّ سحنون لم يكن يقصد قتله إطلاقا، وإنَّما هدفه التعزير والتأديب، ويبدو أنَّه كان قاسيًا فيهما، طغت عليه مذهبيَّته وقصد نوعا مَّا الانتقام مِمَّا سمِّي: جور ابن أبي الجواد المعتزلي، وبالتالي لم يكن التأديب والسجن اللذان تعرَّض لعذابهما ابن أبي الجواد مقتصرًا عَلَى أنَّه أنكر الوديعة، أو أنَّه ماطل في أدئها وإنَّما أيضًا عذِّب عَلَى ما امتحن به الناس من خلق القرآن أثناء استقضائه،(1) وَهُوَ ما يتجلى في قول سحنون لمَّا رآه يوما: يَظلِمُ، أي يمتحنُ الناس عَلَى أكبر تقدير «اللهمَّ لا تُمِتني حتَّى أراه بين يدي قاض عدل يحكم فيه بالحقّ».

لقَد كان يتمنَّى أن يراه متَّهمًا بين يدي القاضي، ليشفي غليله فيه، فكان هو ذلك القاضي. ويروي القاضي عياض أنَّ ابن أبي الجواد قال لسحنون «أصلحك الله، بأيَّ قول أخذتني؟ قاض ينظر منذ ثمانية عشر عامًا، يقال له: من أين؟ ومن أين؟ وقد أخبرني أسد بن الفرات عن مالك في القاضي يعزل ثمَّ يلي آخر، هل ينظر فيما نظر فيه؟ … فقال: لا، له في نفسه ما يشغله، وفي رواية: فإنَّ الناس اختلفوا فلو كان للمتوليِّ الثاني أن ينظر في أحكام الأَوَّل لَما اسْتَقَرَّ قَضَاء، ولا صحَّ حكم فردَّ عَلَيه سحنون كلاما، فردَّه عَلَيه ابن أبي الجواد، فقال سحنون: الدرَّة! فنُزعت عمامته، فقال ابن أبي الجواد: سألتك بالله أن لا تفعل! فتركه»(2).

إنَّ هَذَا الحوار بين القاضييْن يشير بوضوح إِلىَ الحُجَّة القَوِيَّة التي عند ابن أبي الجواد، فهو يردُّه عن متابعته انطلاقا من قول مالك الذي من الأَولى أن

(1) - يذكر الجودي أنَّ سحنونًا ضرب ابن أبي الجواد وحبسه حتَّى يؤدِّي ما عليه، وقيل: كان ذلك بسبب أنَّه شهد عَلَى خطه، وقيل: فعل به ذلك لما كان عليه من البدعة: تاريخ، (مخ)، ق 9 ظ.

(2) - تراجم: 110.

٦٠٢ / ٧٤٣