القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٩٦

يقول به سحنون ويلتزمه(1)، ولكنَّ هَذَا الأخير كان مصرًّا عَلَى الانتقام لذلك لم يجد جوابا إِلاَّ التلويح بالدرَّة ونزع العمامة ترهيبا وتخويفا.

الحقيقة أنَّ حجَّة ابن أبي الجواد كانت قويَّة(2)، وكان الأَولى بسحنون أن لا يفتح هَذَا الباب المتعلِّق بمتابعة القاضي الجديد للقاضي المعزول، إذ لاحظنا أَنَّهُ منذ أن فُتح لم يُغلق، ووجد فيه الأمراء الأغالبة الوسيلة للإيقاع بالقضاة الواحد بعد الآخر، فكانت سنَّة سيِّئة بدأها سحنون، وليته فكَّر في عواقبها الوخيمة، ولم يسترسل في إشفاء غليله المذهبيِّ، والانتقام لنفسه ولمذهبه.

فلكلِّ جواد كبوة، وهذه في نظري كبوة جواد سحنون في قضائه(3)،لم

(1) - انظر: المدوَّنة الكبرى، 5/ 149.

(2) - الغريب أنَّنا نجد في المدوَّنة الكبرى أنَّ سحنونا سأل: هل يجوز للقاضي أن ينظر في قضاء القاضي قبله؟ فكان في الجواب: إذا عزل القاضي وادَّعى الناس أَنَّهُ قد جار عَلَيهم في أحكامه فلا ينظر فيما قالوا، وما حكم به القاضي جائز عَلَيهم فليس بينهم وبين القاضي خصومة ولا غير ذلك، إِلاَّ أن يرى القاضي الذي بعده من قضائه جورا بيِّنا فيردُّه، ولا شَيْء عَلَى القاضي الأَوَّل. والملاحظ أنَّ الجواب ينطبق مع ما قاله ابن أبي الجواد لسحنون من أَنَّهُ سأل أسد بن الفرات الذي سأل مالكا عن هَذِهِ القَضِيَّة بالذات. انظر: المدوَّنة الكبرى، 5/ 149. وانظر ما يشبه ذلك أَيْضًا المجلَّد 6/ 257.

إذَن: الإمام مالك لا يرى متابعة القاضي الأَوَّل رغم الجور البيِّن منه. عَلَى القاضي الثاني أن يردَّ ذلك الجور «ولا شَيْء عَلَى القاضي الأَوَّل». فمن أين إذن أفتى سحنون لنفسه بمتابعة ابن أبي الجواد هَذِهِ المتابعة الأليمة، وَهَذَا العذاب الشديد الذي انتهى بإزهاق الروح؟!. وانظر: الماوردي: أدب القاضي، 1/ 690.

(3) - بعد أن يذكر الدكتور زغلول ما تعرَّض له ابن أبي الجواد من عذاب عَلَى يد سحنون يقول: «كلُّ ذلك يدلُّ عَلَى أنَّ الأمر لم يكن مُتَعَلِّقًا فقط بالقصاص، بل يرجَّح أَنَّهُ كانت في نفس سحنون أشياء قِبل ابن أبي الجواد، يعود تاريخها إِلىَ الوقت الذي تعرَّض فيه … للامتحان بخلق القرآن، ثُمَّ يضيف أَنَّ تشدُّد سحنون وقسوته مع ابن أبي الجواد يعتبر إحدى هفوات الإمام المرموق». تاريخ المغرب، 2/ 94 - 95. ويقول هوبكنز: إنَّ التحقيق الذي يُجرى في مسلك القاضي المعزول كما فعل سحنون لابن أبي الجواد، وابن عبدون لابن طالب، لا يتيح الفرصة لتبادل الاتِّهامات مِمَّا يدلُّ عَلَى عدم توفُّر الأمانة من جانب أحد الفريقين أيًّا كان. النظم: 219.

٦٠٣ / ٧٤٣