القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٩٧

يحالفه التوفيق في إصراره إخراج الحقّ بوسيلة الضرب الأسبوعي إِلىَ حدّ الموت، رغم أنَّ زوجة ابن أبي الجواد وهي أسماء بنت القاضي أسد بن الفرات قدَّمت لسحنون المال الذي يطالب به زوجها إِلاَّ أنَّ سحنونًا أبى أن يأخذه إِلاَّ أن يقرَّ ابن أبي الجواد أنَّه أخذ ذلك المال وأنَّ الدعوى ضدَّه صحيحة ويعترف بذلك اعترافًا بيِّنًا(1).

وممَّا يدلُّ عَلَى أنَّ سحنون تألَّم لمآل ابن أبي الجواد عَلَى يديه، وكأنَّه التزمه نوع من تأنيب الضمير ما ذكره القاضي عياض من أنَّ سحنونًا توسوس وحفظ عنه أنَّه كان يردّد «ما أنا قتلته، الحقّ قتله»،(2) بل إنَّ الونشريسي يذكر أكثر من تلك الوسوسة حيث كان سحنون «إذا نام رأى في منامه ابن أبي الجواد بما يسوؤه، فإذا استيقظ يقول: ما لي ولابن أبي الجواد»(3).

فظاهر أنَّ سحنون بن سعيد عذبه ضميره جراء تلك القضيَّة ونهايتها المؤلمة وَهُوَ ما يدلّ في حدّ ذاته أنَّها عثرة لم يكن يقصد سحنون تلك النهاية، كما ذكرتُ سابقًا، هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى فهو تأنيب ضمير قاض عادل نزيه لو لم يكن كذلك، ما شعر بألم ولا بوسوسة ولا رأى حلمًا

(1) - يذكر السيوطي أنَّ الخليفة المتوكل بعث إِلىَ نائب مصر بأمره بحلق لحية قاضي قضاة مصر أبي بكر محمَّد بن أبي الليث وبضربه والطواف به عَلَى حمار ويعلِّق السيوطي قائلاً «ونعم ما فعل» لأنَّه كان ظالماً من رؤوس الجهمية وولي القضاء بدله الحارث بن مسكين، سالف الذكر، وَهُوَ من أصحاب مالك بعد تمنع. وأهان القاضي المعزول بضربه كلّ يوم عشرين سوطًا ليردَّ الظلامات إِلىَ أهلها، تاريخ الخلفاء. 347. وقد سبق في مبحث المذهبية والصراع المذهبي أن ذكرنا أنَّ القاضي الحارث بن مسكين كان معاصرًا للقاضي سحنون بن سعيد تشابها في طردهما للمذاهب المخالفة للمالكيَّة من المسجد الجامع كما تشابها في متابعة القاضي المعزول وإهانته وضربه بالسوط لعدَّة أيَّام.

(2) - عياض: تراجم، 111.

(3) - المعيار: المعرب، 10/ 122.

٦٠٤ / ٧٤٣