الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٩٨يزعجه. ومهما يكن من أمر فإنَّ القَضِيَّة فريدة ويتيمة في سيرة سحنون المليئة بعظائم الأمور.
ومن هَذَا الجور الذي أسميناه «الجور المذهبي» أو الجور الذي يدفع إليه الصراع والتنافس المذهبي ما وقع في عهد القضاة سليمان بن عمران (خروفة) وعبد الله بن عبدون بن أبي ثور، وكلاهما حنفي، فقد لاحقا فقهاء المَالكِيَّة وضربا من استطاعا القبض عليه بالدرة والسوط واتهم سليمان بن عمران بقصر الفهم في العلم،(1) كعادة المَالكِيَّة مع خصومهم الحنفية والمعتزلة علما بأنَّ سحنون كان يودّ لو تولَّى القضاء سليمان في القيروان مكان ابن أبي الجواد إذ أشار به إِلىَ الأمير فضلاً عن أنَّه ولاَّه قضاء باجة، لمَّا كان هو قاضيا بالقيروان(2). وهذا ما يجعلنا نتهم هَذِهِ المصادر بالتحامل عَلَى فقهاء الحنفيَّة وقضاتهم ونشك في مصداقيَّة تلك التهم الموجهة إِلىَ هؤلاء القضاة والجور الذي تنسبه إليهم وحدهم اللهمَّ إِلاَّ أن يكون جورًا مذهبيًّا ارتكبه قضاة المَالكِيَّة(3) تمَامًا مثلما ارتكبه قضاة الأحناف.
إنَّ سليمان بن عمران امتحن عبد الله بن أحمد بن طالب، ومحمَّد بن سحنون، ويحيى بن عون بن يوسف، وحبيب بن نصر، صاحب مظالم سحنون، وعبد الله بن هارون الكوفي قبل أن يلي القضاء بتونس عَلَى عهده هو وغيرهم،
(1) - المالكي: رياض، 1/ 514.
(2) - الخشني: طبقات، 180.
(3) - سبق أن رأينا أنَّ القاضي سحنون، هو الذي بدأ هَذِهِ الظاهرة بمتابعة سلفه ابن أبي الجواد ثمَّ كان عبد الله بن أحمد بن طالب الذي لاحق سليمان بن عمران حتَّى توارى هَذَا الأخير نحوًا من سنتين خوفا من إبن طالب الذي أمر مناديا ينادي بأمانه بعد ذلك وكذلك نظر عيسى بن مسكين عَلَى القاضي عبد الله بن هارون السوداني الكوفي بأمر من الأمير إبراهيم الثاني. انظر عياض: تراجم، 210؛ الخشني: طبقات، 238؛ الدباغ: معالم، 2/ 173.