الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٠٠أهل القيروان في ابن عبدون، فقال له أحد الفقهاء «لو علمت منه ما يعلم أهل القيروان منه كان عندك بالحالة التي هو بها عندهم»(1).
وبالفعل لمَّا اطلع عَلَى جوره وَهُوَ الجائر الذي لا يضاهى بخاصة في أخريات حياته قال: لو تركته لأحدثت له مقبرة لوحده»(2).
إنَّ هَذَا الجور الذي أصاب العلماء بخاصة؛ لا يكون سببه إِلاَّ الاختلاف المذهبي والصراع والتنطع فيه، لذلك لم يتحدَّث المُؤَرِّخُونَ عن جور اقترفه أحد القضاة الذين وصفوا بالجور عَلَى أحد أو جماعة من العامةوَهُوَ الجور الحقيقي في اعتقادي؛ لأنَّه إحقاق للباطل أو إبطال للحقِّ.
والغريب أن تلك المصادر ذكرت قاضيين سعت بعامةرعيَّتهما بهما إِلىَ الأمير إبراهيم الثاني إِلاَّ أنَّها، أي المصادر، اعتبرت تلك الرعية من العامةهي المخطئة الظالمة، والقاضيين هما المحقان. أمَّا المحق الأوَّل فهو: أبو الأسود موسى بن عبد الرحمن القطان القاضي المالكي بطرابلس، وأمَّا الثاني فهو: حسن بن البناء القاضي المالكي بقصطيلية(3)، يقول عياض: إنَّ الذي عرض لابن البناء في قصطيلية، مثل الذي عرض لموسى بن القطان مع أهل طرابلس بغوا عليهما وعُزِلا وسُجِنا إِلاَّ أنَّ علمهما أخرجهما من سجن إبراهيم الثاني وأكرما واستعادا مكانتهما في المجتمع.
فهل يعقل أن تتظلَّم الرعية كلّها في مدينة ضدَّ قاضٍ، ويكون القاضي هو المصيب والرعية هي المخطئة؟ ثمَّ ما طبيعة الشكوى التي رُفعت عَلَى القاضيين إِلىَ
(1) - الخشني: طبقات، 187.
(2) - الخشني: طبقات، 187؛ يحيى بن عمر: أحكام السوق، مقدِّمة المحقِّق، ص13.
(3) - الخشني، طبقات، 161؛ عياض، تراجم، 363 - 365، 371 - 373؛ يذكر د. محمود إسماعيل: أنَّ أهل قصطيلية ثاروا في وجه قاضيهم؛ لبغيه وظلمه، انظر الأغالبة: 192.