القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٠١

الأمير إبراهيم الثاني؟ تسكت المصادر عن تقديم التفاصيل لأنَّ المهم عندها هو تزكية علمائها، وهي طبيعة المصادر المنقبية وهدفها.

صفوة القول في الجور الذي نسب إِلىَ بعض القضاة عند الأغالبة: إنَّه جور دون الجور إن صحَّ التعبير، وكأني بالصراع الذي كان يدور بين العرب قيسيتهم ويمنيتهم عَلَى عهد الولاة، انقلب ليصبح صراعًا مذهبيًّا اكتوى القضاة بناره قبل الرعية منذ أن أحدث سحنون بن سعيد بدعة متابعة القاضي المعزول من قبل القاضي الذي يخلفه،(1) فإن سلم ونجا سحنون من تلك المتابعة؛ لأنَّه مات قاضيا، فإنه لم يسلم ابنه ولا تلامذته من بعده سواء الذين تولَّوا القضاء أو غيرهم من العلماء من تلك الملاحقات.

ويشتد هَذَا النوع من الجور مع الأمير الذي لا يرعى حقًّا لأحد بل يحرّض هَذَا عَلَى ذاك، مِمَّا أفسد نقاوة القضاء وجعله عرضة للصراعات المذهَبيَّة التي انتهت بنهاية الأغالبة وانهيارهم أمام دعوة ومذهب منافس قوي ظلَّ يراقب الأوضاع عن كثب حتَّى هجم بشراسة واستولى عَلَى الأمر كلّه.

أمَّا إذا جئنا إِلىَ الرستميين، فإنَّ ابن الصغير المعاصر لهم يقول عنهم وبصراحته المعهودة رغم أنَّه يبغضهم، «وإن كنَّا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين، فنحن وإن ذكرنا سيرهم عَلَى ما اتصل بنا وعدلهم فيما ولوه فلسنا مِمَّن تعجبه طلاوة أفعالهم ولا حسن سيرهم»(2)، لقد كان الرستمييون عدولاً فيما ولوه وسيرتهم حسنة وأفعالهم لها طلاوتها وكلها تؤكِّد عَلَى عدل الأيمَّة وموظفيهم، وبخاصة منهم القضاة،

(1) - انظر الخشني: طبقات، 236 - 238؛ يذكر الخشني أنَّ إبراهيم الثاني لمَّا عزل ابن عبدون عن القضاء لم يحل أحدًا بعده عَلَى النظر عليه، وكان قد وعد عيسى بن مسكين بذلك ثمَّ لم يفعل، انظر: طبقات، 237.

(2) - ابن الصغير، أخبار، 27 - 28.

٦٠٨ / ٧٤٣