الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٠٢فالشهادة إِنَّمَا جاءت مِمَّن لا يقرّ بالمذهب الإباضي ولا يعترف به، بل يبغضه بصريح عباراته.
ومع هَذَا فإنَّ بعض البدو بإيعاز من حضريي تيهرت قصدوا الإمام عبد الوهَّاب فقالوا له «إنَّ رعيَّتك قد ضجَّت من قاضيك، وصاحب بيت مالك، والقائم بشرطتك، فاعزلهم عنهم وولّ عليهم خيارهم»(1). وحيث إنَّ هَذِهِ النصيحة جاءت منطوية عَلَى الخدعة، وقد صرَّح بذلك ابن الصغير بوضوح، فإنَّ جور القاضي لا نعرف طبيعته ولا نعرفه أبدًا، لأنَّه مفتعل، ومن هنا لمَّا طلب من ذلك الوفد تقديم تبريرات واقعية لجور القاضي والموظفين الآخرين، يقول ابن الصغير «أُفحِم القوم ولم يكن عندهم جواب»(2).
إنَّ القاضي عبد الوهَّاب، ربَّما يكون جائرًا، إِلاَّ أنَّ النص الذي يتهمه بالجور، يجعل ذلك تهمة ملفَّقة وخدعة يراد الوصول بها إِلىَ السلطة وتشتيت الإباضيَّة(3) وتقزيمها بذهاب ريحها وَهُوَ ما أدركه المعارضون وهم كثر للحكم الرستمي والإباضي عَلَى حدّ سواء.
إنَّ ما نعرفه عن قضاة الرستميين بتيهرت، أنه لم يوصف أحدهم بالجور ولم ينسب إليه، اللهمَّ إِلاَّ تلك التهمة التي ذكرها ابن الصغير وكان أمينا في نقله لمَّا بّين أنَّها خدعة ورَّط بها حضريو مدينة تيهرت البدو الذين قدموا إليهم في فصل الربيع مستغلين فيهم سذاجتهم وطيبة نفوسهم من جهة وسرعة انفعالهم وإصرارهم عَلَى قولهم وإن كان باطلاً من جهة، أخرى، ولقد حقَّقوا بخدعتهم تلك الكثير من أغراضهم إذ وصلوا إِلىَ زعزعة استقرار النظام شيئًا فشيئا حتَّى انتهى به المطاف ورقة خريفيَّة في مهب الرياح التي عصفت بالدولة في أخريات أيامها.