الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٠٣ويروي البغطوري أنَّ أبا المنيب محمَّد بن يانس أحد فقهاء الإباضيَّة، «وجد رجلا عَلَى باب دار الإمام وله حاجة عنده ـ الله أعلم ما هي ـ والدار مغلوقة، فرجع ابن يانس وراءه وملأ حِجره حجارة وجعل يرجم الباب ويشتم أهل المدينة ويقول: لعن الله أهل هَذِهِ المدينة … ففتح الإمام الباب وجعل يعتذر له وَهُوَ يعصر لحيته ويقول له: إِنَّمَا اشتغلت بالغسل، حتَّى سكَّن غضبه»(1) وعندما سئل الإمام عن هَذِهِ اللعنة قال: نحن في وسطها إن لم نأمر وننه.
فما هي حاجة هَذَا الرجل الذي غضب له أحد الشراة الإباضيَّة غضبة بربريَّة جعلته يرمي باب الإمام القاضي بالحجارة ويلعن سكان المدينة؟ لقد لا حظنا أنَّه كثيرًا ما سكتت المصادر عن تقديم تقاصيل الحادثة، فهل جاء يشتكي من جور القاضي أو جاء يريد الحكم القضائي من الإمام القاضي؟
لا نستطيع أن نذهب بعيدًا في هَذَا ولعلَّ التساؤلات هنا تبقى أهم من الأجوبة عليها. ولا نرى الجور في القاضي الرستمي لأسباب عديدة أهمها أنَّ الأيمَّة الرستميين كلّهم تقريبًا وصفوا بالعدل حتَّى إنَّ الباروني يقول «لو وجد لهم غيرها لذكروه»(2)، وبالتالي ما دام هؤلاء قد وصفوا بالعدل في المصادر الإباضيَّة وغير الإباضيَّة؛ فإنه يستبعد أن يكون قاضيهم جائرا، ولقد رأينا أنَّ أغلب الجور إِنَّمَا يكون بإيعاز من الوالي أو الأمير الذي وصف بالجائر، أو الذي يحرض عليه.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنَّ الصراع المذهبي حول القضاء والذي شهدته إفريقيَّة الأغلبية لم يعرفه الرستميون طيلة حكمهم، ولقد رأينا أنَّ بعض الجور الذي نسب إِلىَ القضاة الحنفية والمعتزلة في مصادر المَالكِيَّة، يكاد لا يكون