القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٠٤

جورا حقيقيَّا لذلك أطلقنا عليه الجور المذهبي. ومن هنا نستبعد كذلك الجور عن قضاة الرستميين، ما دام الصراع المذهبي لم يبلغ الحدَّة التي بلغها في إفريقيَّة.

ولكن كيف كان القضاة في عهد تلك الفتن التي عصفت بالرستميين حتَّى أخرجتهم في بعض الأحيان من عاصمتهم تيهرت؟ ألم يتأثَّر القضاء بفتنة ابن عرفة ومضاعفاتها؟ ألم يتأثر القضاة بميلهم إِلىَ يعقوب بن أفلح أو ابن أخيه أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان؟ لا نعرف شيئًا من ذلك ولكن الثابت أنَّ الفتن كثيرًا ما أثَّرت عَلَى الوظائف وبخاصة تلك الحساسة جدًّا مثل القضاء. فإن لم تتأثَّر بذلك بشكل كبير فإنَّها بلا شكَّ قد ساهمت وحاولت تجاوز المحن إِلاَّ أنَّها في نهاية المطاف عصف بها مقتل أبي حاتم وجور اليقظان بن أبي اليقظان الذي يكفي أنَّ أبناءه هم الذين قتلوا عمهم وتولَّى هو الإمامة من بعده الأمر الذي لم يقبله منه الإباضيَّة فتركوه وحيدًا يواجه العواصف التي انتهت به مقتولاً عَلَى يد أبي عبد الله الشيعي(1).

أمَّا إذا جئنا إِلىَ المغرب الأقصى حيث الأدارسة والمدراريون فمن المعروف أنَّهما عرفا اضطرابات سياسية، شأنهم شأن باقي دول المغرب في ذلك الوقت، وبالتالي يمكن أن تطرح التساؤلات السابقة نفسها عَلَى الكيانين المستقلين في المغرب الأقصى، ولا ننتظر الجواب لأنَّنا نعلم أنَّ في المغرب الأقصى وفي كلتا الدولتين لا نعرف إِلاَّ قاضيا واحدًا، ولم يصلنا من أخبار قضائه شيء كثير.

أمَّا إذا بحثنا عن الجور في الأيمَّة الأدارسة، أو الإيمة المدراريين ربَّما لا نجد إِلاَّ ما ذكر عن يحيى بن يحيى بن محمَّد الإدريسي (بعد 234هـ/848م) الذي «أساء السيرة وكثر عيثه في الحرم ودخل عَلَى جارية من بنات اليهود في الحمام … »(2) وقامت الفتنة واضطربت الأمور في فاس نتيجة لذلك.

(1) - بحاز: الدولة الرستمية، 128.

(2) - ابن أبي زرع: الأنيس، 77؛ الناصري: الاستقصا، 1/ 178؛ زغلول: تاريخ، 2/ 469 - 470. وما بعدها.

٦١١ / ٧٤٣