القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٠٥

إنَّ مثل هَذَا التهوّر من إمام يفترض فيه التقوى والورع المطلق اقتداءً بجدّه محمَّد بن عبد الله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليس له ما يبرِّره أبدًا، ولكن ما علاقته بالقضاء أو بالأحرى، كيف كان القضاء في عهده؟ ومن كان القاضي؟ وما هو موقفه من هَذَا الفعل المخل بالحياء؟

إنَّنا إذا استرسلنا في هَذَا المجال مع الأدارسة أو المدراريين فلا نجد إِلاَّ التساؤلات المتتالية اللاَّمتناهية والتي تبقى كذلك حتَّى يكشف عن مصادر جديدة لتاريخ المغرب الأقصى تتعلَّق بالقرون الثلاثة الهجريَّة الأولى.

ختاما، أعتقد أنَّ الحديث عن الجور في بلاد المغرب لا يأتي من جهة القضاة أو من قبلهم بقدر ما هو من قبل الحكام. فمظاهره بارزة إذا رأينا إليه من خلال أولئك الحكام الذين وصفوا بالجور والقسوة أو الذين طغت شخصيتهم القويَّة عَلَى شخصية قضاتهم. فإذا كانت المصادر لم تتحدَّث عن الجور الذي ارتكب على العامةمن الناس، فهذا دليل على أنَّ ما يمكن أن يقال عن الجور في القضاء ببلاد المغرب، ما هو إِلاَّ جور دون الجور الذي يحق باطلا أو يبطل حقًّا، وَهُوَ في أغلبه، كما رأينا جورًا ألجأ إليه الصراع المذهبي المتشدد في إفريقيَّة وَهُوَ ما لا وجود له في المغربين الأوسط والأدنى.

لقد انعدمت صور الجور الحقيقيَّة في قضاء بلاد المغرب خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) ولم نجد من مظاهره إِلاَّ صورًا باهتة لا تكاد تستفحل حتَّى يقضي عليها العدل لأَنَّ العلماء في هَذِهِ الفترة وهم مادَّة القضاء كانوا حريصين عَلَى تحري العدل وحتى المنافسة المذهَبيَّة في الوصول إِلىَ منصب القضاء، والتي انحرفت في بعض الأحيان بإفريقيَّة، إِنَّمَا هدف أصحابها التربع عَلَى عرش القضاء لتطبيق العدل كلٌّ عَلَى مذهبه وليس لتطبيق الجور أو ممارسته بأيِّ حال من الأحوال.

٦١٢ / ٧٤٣