الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٠٧إنَّ تعيين القضاة ببلاد المغرب ظلَّ هكذا من اختصاص الخلفاء بالشام ثمَّ العراق إِلىَ أواخر عهد الولاة، عندما أصبح هؤلاء بإمكانهم عزل القاضي وتولية غيره، ومهَّدوا بذلك لقيام الدولة الأغلبيَّة (184 - 296هـ/788 - 805م) التي كان أوَّل قضاتها عبد الله بن عمر بن غانم (رجب 171 - 190هـ/788 - 805م)، إِلاَّ أنَّه لم يكن من تعيين الأغالبة، وإنَّما ولاَّه عَلَى القضاء: الخليفة هارون الرشيد (170 - 193هـ/786 - 808م) عام 171هـ/788م، وأبقاه إبراهيم بن الأغلب (184 - 196هـ/800 - 811م)، أوَّل أمراء الأغالبة إذ هو أيضًا من تعيينات الخليفة هارون الرشيد كما نعرفه.
ولمَّا توفي هَذَا القاضي سنة 190هـ/805م ولَّى إبراهيم بن الأغلب، لأول مرَّة ممارسا لسلطته، التي خولها له الرشيد، القاضي أبا محرز محمَّد بن عبد الله الكناني، وظلَّ الأمراء الأغالبة يعيِّنون قضاة عاصمتهم القيروان إِلىَ أن زالت دولتهم.
ومن المعروف أنَّ الإباضيَّة كان لها وجود عَلَى عهد الولاة، استطاعت أن تفرض نفسها عدَّة مرَّات عَلَى مسرح الحياة السياسية ببلاد المغرب، ولعلَّ أوَّل ذلك في حدود عام 127هـ/744م في إمامة الحارث المحدودة وعبد الجبار، إذ تولىَّ أحدهما الإمامة وتكفل الآخر بالقضاء … ثمَّ كانت ثورة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، وإمامته المشهورة (140 - 145هـ/757 - 762م) التي استطاعت أن تدخل القيروان، وعين عبد الرحمن بن رستم قاضيا بتلك المدينة خلال فترة الإمامة المذكورة ولمَّا أطاح بها القائد العباسي محمَّد بن الأشعث الخزاعي، هرب القاضي عبد الرحمن إِلىَ المغرب الأوسط واستطاع أن يقيم كيانه السياسي ببناء مدينة تيهرت وإعلان الإمامة الرستمية عام 160هـ/777م.
استمرَّ عبد الرحمن بن رستم يمارس مهنة القضاء في دولته الفتية ردحا من الزمن، ثمَّ عيِّن بعد ذلك قضاة في تيهرت وفي بعض ضواحيها من المدن كما