الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٠٩هَذِهِ الندرة الخبريَّة سمحت لنا بإعمال بعض الفكر ومقارنة الأحداث ببعضها واعتقاد التشابه بين الأنظمة المتعاصرة ببلاد المغرب وإن اختلفت في التوجهات والطموح والمذاهب، إِلاَّ أنَّها لا تختلف ـ في اعتقادي ـ في ضرورة وجود القضاء ومهنة القاضي وما يترتَّب عن ذلك.
وما قيل عن المدراريين قلناه عن بني صالح بناكور وبرغواطة بتامسنا، وكلاهما بالمغرب الأقصى، وقلناه عن الكيانات السياسية أو شبه السياسية التي انفرد اليعقوبي بذكرها في أواخر القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، والتي أغلبها علوية بالمغرب الأوسط، فهذه الكيانات يبدو أنَّ زعماءها الروحيين كانوا يتولون شؤون القضاء، وبالقضاء والفتوى استطاعوا أن يفرضوا سلطتهم في حوزاتهم أكثر من أي اعتبار آخر.
إنَّ القضاة الذين عرفناهم كلّهم تميَّزوا بالقدم الراسخة في العلم والفقه عموما، وفقه الأحكام خصوصًا، إِلاَّ شواذ قليلون يأتي عَلَى رأسهم القاضي ماتع بن عبد الرحمن الذي ولي القضاء عَلَى عهد يزيد بن حاتم المهلبي، (155 - 171هـ/771 - 787م).
وقد أضفى هَذَا العلم الراسخ عَلَى القضاة ببلاد المغرب هيبة ووقارًا وشخصية محترمة لم يكن وقعها عَلَى الرعية حسب، وإنَّما كان أيضًا عَلَى الأمراء والأيمَّة، وأصدق مثال عَلَى ذلك شخصية القاضي سحنون بن سعيد (234 - 240هـ/848 - 854م) القويَّة التي هابها الأمير الأغلبي ولم يقو عَلَى عزله رغم إرادته ذلك ورغبته.
واتَّصف قضاة المغرب بالورع والتدين الصحيح، الأمر الذي أدى بعضا منهم إِلىَ رفض قبول الأجرة عَلَى قضائه احتياطًا من الوقوع في شبهة الأجرة الحرام؛ إِلاَّ أنَّ الحقيقة عَلَى ما يبدو، أعمق من ذلك بكثير، فالذين رفضوا الأجرة لم يحتاطوا لأنفسهم بقدر ما احتاطوا لخطة القضاء من أن يصيبها نوع من التدخل في