القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦١٠

شؤونها، فرفض الأجرة، إِنَّمَا هو رفض لتدخل ولاة الأمور في الأحكام القضائيَّة وحرص عَلَى استقلالية القضاء.

أمَّا إذا تحدَّثنا عن إدارة خطة القضاء فإنَّها كانت في عمومها بسيطة بساطة القاضي الذي يرفض الأبهة من جهة، وبساطة العصر المبكِّر نوعا مَّا من جهة أخرى. فلم تكن هناك رسوم وتشريفات تسبق القاضي ومجلسه المتواضع أو تتعقبه وتتابعه، وإنَّما كان المسجد الجامع هو أوَّل مقر للقضاء ببلاد المغرب ثمَّ استحدثت دار القضاء بعد ذلك والتي يبدو أنَّها مرتبطة بالمسجد الجامع، فلا نتصوَّر أبهة في هَذَا المسجد ولا في هَذِهِ الخطة التي حرص الفقهاء القضاة بسلوكهم المتواضع النزيه أن يجعلوها متواضعة نزيهة لا ترهب الضعفاء من القدوم إليها، ولا تسمح للأقوياء من التعدي عَلَى حرماتها.

إنَّ بساطة الجهاز الإداري للقضاء ببلاد المغرب، يتماشى وروح العصر كما يتماشى مع فكر الفقهاء في هَذَا العصر، فهم عمدة القضاء ومادته الأساسية: منهم يكون القاضي والكاتب والحاجب والمستشارون والأمناء الذين يشكلون بمجموعهم ما يمكن أن نسميه «مجلس القاضي».

وتبعا لهذه البساطة كانت أدوات القضاء قليلة جدًّا تتلخَّص فيما هو ضروري لا غير كالورق والسجلات والقِمَطْر والخاتم وما يرافق ذلك من أقلام وحبر ودواة. وهكذا تميَّز القضاء في كلّ شيء بالبساطة حتَّى في الملبس والمركوب، فلم يكن للقضاة مثل المشرق لباس يميِّزهم، وإنَّما كان لباسهم لباس الفقهاء ومركوبهم مركوب العامةمن الناس.

ولم تعمل خطط كالشرطة والحسبة والمظالم تحت مظلة القضاء كما هو الشأن في المشرق والأندلس بحيث تساعد القاضي في بعض مهامه، وإنَّما كانت كلّ واحدة مستقلَّة عن الأخرى، استقلالاً تامًا، ما عدا المظالم التي اكتشفنا أنّ المقصود بها «أحكام السوق» في القيروان عَلَى عهد الأغالبة، كان صاحبه يعيِّنه

٦١٧ / ٧٤٣