القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦١٢

عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي سنة 232هـ/846م من قضاء القيروان، لاحظت أنَّ العزل أصبح يلاحق أكثر القضاة بالدولة الأغلبية، فإذا لم يستطع أحد الأمراء عزل قاضيه جعل إِلىَ جانبه قاضيا آخر، وقد مورس هَذَا الإجراء ثلاث مرَّات وفي فترات متباعدة، اجتمع فيها أبو محرز محمَّد بن عبد الله الكناني مع أسد بن الفرات (تولَّى القضاء: 203 - 213هـ/818 - 828م) وسحنون بن سعيد مع الطُّبنِي، وحماس بن مروان (290 - 294هـ/902 - 906م) مع محمَّد بن أحمد بن جيمال (293هـ/907م)، ثمَّ فترة وجيزة بعد حماس، منفردًا)، وقد يكون الدافع المذهبي سببا في اتِّخَاذ هَذَا الإجراء.

وانفرد الأغالبة وحدهم ببدعة ملاحقة القضاة المعزولين من قبل القاضي الذي يحلّ محلَّه، فلاحق بعضهم بعضًا، وأغلب ذلك كان بإيعاز من الأمراء إِلاَّ أنَّه يمكن أن ننسب بدايتها للقاضي سحنون أكثر منها لأي شخص آخر.

وتبعًا لهذه الظاهرة، وفي خضمّ هَذَا العزل وهذه الملاحقات، لاحظنا المذهَبيَّة تعمل عملها، فتتصارع المذاهب المَالكِيَّة والحنفيَّة والاعتزال وتتَّخذ المَالكِيَّة مواقف صارمة في قضائها تجاه الأمراء وتجاه مخالفيها في المذاهب الأخرى، وتجد إقبالاً نحوها من قبل عامة الناس مِمَّا أضفى عليها طابع القومية المغربية في إفريقية أولاً، ثمَّ في المغرب الإسلامي بعامة بعد ذلك. وتنقرض المعتزلة وتجمُّعاتها بسرعة، ثمَّ تتلاشى الحنفيَّة التي سايرت الشيعة الفاطميِّين لأسباب مصلحية تنافسِّية بالدرجة الأولى، وأضاعت بذلك قيمتها ولم تعد ذات أهمِّية في بلاد المغرب بخاصة عندما غادر الفاطميون إِلىَ مصر …

وإذا كان القضاة في إفريقية بعد عصر الولاة ذوي مذاهب مختلفة كما أسلفنا، فإنَّهم في دولة الرستميين كلّهم إباضيَّة ويبدو أنَّهم في دولة المدراريين إن وجدوا، كلّهم صفرية أو إباضيَّة وصفريَّة؛ كما يظهر لنا أنَّهم في دولة الأدارسة كلّهم مَالكِيَّة.

٦١٩ / ٧٤٣