الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦١٣ولقد تَبيَّن لنا وتأكد أنَّ القضاء في بلاد المغرب هو الذي قرر المصير المذهبي لهذه الرقعة الجغرافية من بلاد الإسلام، بحيث جعلها مَالكِيَّة منذ عهد سحنون بن سعيد ومن جاء بعده من تلامذة وهي مَالكِيَّة مطلقة، باستثناء بعض التجمعات الإباضيَّة هنا وهناك في المغربين الأدنى والأوسط، استطاعت بمرونتها أن تبقى عَلَى قيد الحياة رغم الأعاصير المذهَبيَّة المختلفة، من شيعية ومَالكِيَّة وما إِلىَ ذلك.
إنَّ القضاة في بلاد المغرب كانوا يشعرون بمسؤوليتهم في كلّ القضايا المطروحة عَلَى السَّاحة المغربية، ففضلا عن مهمتهم الأساسيَّة التي تتمثل في فض المنازعات، وإنهاء الخصومات الاجتماعيَّة والاقتصادية والمالية والثقافية، وفضلا عن إشرافهم عَلَى عقود الزواج والطلاق والبيع والشراء، وما شابه ذلك مِمَّا يدخل في صميم اختصاصاتهم، فإنَّهم عرفوا حضورا لا بأس به في الشؤون السياسية والحربِيَّة. لقد قال القضاء كلمته في كثير من أحداث المغرب، وترك آثارا رائعة تنم عن كفاءات عالية، ولا أدلَّ عَلَى ذلك من فتح جزيرة صقلِّية من قبل القاضي العظيم أسد بن الفرات عام 212هـ/ 827م، وإضافتها إِلىَ الدولة الأغلبية ومن خلالها إِلىَ دار الإِسلاَم. وكذلك إقامة الدَّولة الرستمية من قبل القاضي عَبد الرحمن بن رستم عام 160هـ/777م، ليضع حدًّا بذلك لثورات الإباضيَّة في إفريقية والمغرب الأوسط، ودعوتها إِلىَ بناء الحضارة جنبا إِلىَ جنب مع المدراريين والأدارسة ثمَّ الأغالبة؛ وقد تألقت هَذه الحضارة فعلا في المغرب الإسلامي بعامة وساهم بقسطه في الحضارة الإِسلاَمِيَّة العظيمة.
ولعلَّ أبرز ما خلَّفه القضاة هي تلك المؤلفات العديدة التي نظَّرت للفقه في بداياته الأولى ببلاد المغرب؛ فأَثْروا بذلك المكتبة العربيَّة الإِسلاَمِيَّة في مختلف فنون المعرفة، وفي مختلف المذاهب المتنافسة، ومن أهمِّ هَذه المؤلفات وأبرزها: مدونة سحنون بن سعيد، وأسدية أسد بن الفرات، والدينونة الصافية لعمروس بن فتح، فضلا عن عديد العناوين الأخرى، منها ما كُتب له البقاء والحياة إِلىَ يومنا هَذَا،