القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦١٤

ومنها ما اندثر وزال واختفى، ولم يبق إِلاَّ عنوانه يشهد عَلَى جهد القضاة في الفقه بخاصة وفي الفكر والثقافة بعامَّة.

وهكذا يكون قضاة هَذه الفترة الذين يشكلون أبرز طبقة الفقهاء، هم أوَّل من ترك تراثا قضائيا معتبرا، لا شكَّ أنَّه ظلَّ مصدرا وموردا لِكُلِّ القضاة الذِين جاؤوا من بعدهم في القرون اللاحقة، وظل معينا لهم في أحكامهم؛ ولا أدلَّ عَلَى ذلك من العديد من المؤلفات التي صنفت في هَذَا الفنّ من العلوم، وحملت عناوين ما يشبه بـ «معين الحكَّام» و «تبصرة الحكَّام» وغيرها.

بعد هَذَا كلّه ونتيجة لهذه الآثار وهذه المآثر، هل كان القضاء في بلاد المغرب عادلا؟

نعم، إنَّ القضاة في جلّهم قضاة عدل، لا وجود للجائر بينهم إِلاَّ شاذًّا، ولا يكون القاضي الجائر إِلاَّ بإيعاز من الوالي أو الأمير. وقد تبيَّن لنا أنَّه بسبب الصراع المذهبي بإفريقيَّة الأغلبية، مورس نوع من الجور، مارسه بعض القضاة عَلَى القضاة الآخرين وذلك من خلال تلك الملاحقات والمتابعات التي شجعها الأمراء الأغالبة، كما مورس عَلَى بعض الفقهاء وبخاصة منهم المالكيَّة إِلاَّ أنَّني لا أستبعد أن يكون بعض قضاة المالكيَّة قد مارسوا هم أيضًا هَذَا النوع من الجور مع فقهاء الأحناف والمعتزلة، ألم يشتت القاضي سحنون بن سعيد جماعات المذاهب الإباضيَّة والصفرية والمعتزلة وغيرها ومنعها من التجمع في المسجد الجامع بالقيروان؟

إنَّ المصادر المالكيَّة، إن ذكرت هَذَا الإجراء الذي اتخذه سحنون، بنوع من التبجيل لأنَّه انتصار للسنة وقضاء عَلَى البدعة في نظرها، فإنَّها لا تذكر شيئًا ذا بال عن ملاحقة القضاة المالكيَّة لقضاة غيرهم وفقهائهم، وإنَّما تتهم دائمًا الحنفية والمعتزلة بالجهل والجور، ولا يستبعد إطلاقًا أن يكون العمل إِلاَّ بالمثل فلو وجدت المصادر الحنفيَّة عَلَى قيد الحياة لأكدت ذلك.

٦٢١ / ٧٤٣