الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦١٥ومهما يكن من أمر فإنَّ القضاة ببلاد المغرب عمومًا في القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م)، قد مارسوا عملهم بِكُلِّ تفان وإخلاص حرصا منهم عَلَى تطبيق شرع الله وإقامة العدل الذي حاولوا أن يصلوا به إِلىَ كماله بحيث لم يفرّقوا في أحكامهم بين فقير وغني، سيِّد ومسود، حر وعبد، ذكر وأنثى، مسلم وذمي إِلاَّ بما تقتضيه الشريعة الإسلاميَّة السمحاء.
إنَّ القضاة كانوا يراقبون أنفسهم، قبل أن تكون السلطة السياسية تشرف عليهم أو تراقب جورهم، بل كانوا هم الذين يراقبون جور الحكام ويقفون في كثير من الأحيان سدًّا منيعًا أمام جور هؤلاء. فالقاضي كان يراقبه ضميره المهني اليقظ، وعلمه الديني المتين، ومع ذلك لم يترك وشأنه، وإنَّما وجدنا المرابطين الأولياء والزهاد يقسون عَلَى القضاة في ملاحظاتهم ونصائحهم لهم في إفريقية ووجدنا الفقهاء الشراة بالمرصاد للقضاة الإباضيَّة في تيهرت أو نفوسة، أو غيرهما.
ومع صرامة كلّ هَذِهِ الأنواع من الرقابات، فإن القضاة بالمجتمع الإباضي كغيرهم من الناس، يخضعون لرقابة شعبية قاسية وعادلة في آن واحد، هي رقابة الولاية والبراءة التي لا ترحم. فجور القاضي يؤدِّي به إِلىَ البراءة منه، وبالتالي ينبذه المجتمع ولا يتعامل معه في صغيرة ولا كبيرة، عندئذ تضيق عليه الأرض بما رحبت فلا يجد إِلاَّ وسيلة التوبة والتنصل من عمله السيء والعودة إِلىَ ولاية المسلمين(1). فأي مجال ترك لهذا القاضي الإباضي لكي يجد تسلُّلاً إِلىَ الجور؟ طبعًا لا مجال في ذلك إطلاقًا، ومن هنا انعدم، أو كاد عزل القضاة عند الرستميين كما انعدم وجود قاض جائر صريح الجور.
إنَّ هَذِهِ الأصناف من الرقابات التي كانت عَلَى قضاء وقضاة المغرب الإسلامي، هي التي جعلته متميِّزًا بالعدل، وإن جار بعض الحكام هنا وهناك، أو
(1) - عن الولاية والبراءة انظر: الجيطالي اسماعيل بن موسى: قواعد الإسلام،1/ 45. وانظر: عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 36 - 40، 171 - 172، الدرجيني: طبقات، 2/ 342.