القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦١٩

إنَّ هَذَا القاضي الذي عين مرَّة ثانية عَلَى عهد المنصور العباسي نعلم جيِّدًا ذلك الحوار الذي جرى بين الرجلين، إذ قال الخليفة «يا ابن أنعم، ألا تحمد الله أراحك مِمَّا كنت فيه بباب مروان بن محمَّد؟ قال: أمَّا ما كنت أرى بباب مروان لأرى اليوم شطره … فبكى لها أبو جعفر … »(1) وأعاد ابن أنعم ثانية للقضاء بإفريقيَّة.

إنَّ هَذَا الخليفة لمَّا تلقَّى هديَّة متواضعة من عبد الرحمن بن حبيب الفهري (127 - 137هـ/744 - 754م) ومعها رسالة كتب له فيها «إنَّ إفريقيَّة اليوم إسلامية كلّها وقد انقطع السبي منها، فلا تسألني ما ليس قبلي»(2)، غضب أبو جعفر المنصور، وكتب إليه يتوعَّده، عندئذ غضب الوالي عبد الرحمن ونادى الصلاة جامعة، فصعد المنبر ثمَّ أخذ في سب الخليفة، وممَّا جاء في خطبته «إني ظننت أنَّ هَذَا الجائر يدعو إِلىَ الحقّ ويقوم به، حتَّى تبيَّن لي خلاف ما بايعته عليه من إقامته الحقّ والعدل. وأنا الآن خلعته كما خلعت نعليَّ هاذين … »(3) ثمَّ دعا بخلع لباس السود شعار العباسيين وأمر بتخريقها وتحريقها، وقال: «هذا لباس أهل النار في النار … »(4).

إنَّ السبيّ المغربي ظل يسيل لعاب الخلفاء في المشرق إن في الشام، أو في العراق، وسوف يكون السبب في انقطاع العلاقة السياسية المباشرة التي ربطت المغرب بالمشرق طيلة عهد الولاة، وابتداء من عهد هَذَا الوالي الفهري، فمقولته واضحة لا تحتاج إِلىَ تفسير.

(1) - الرقيق: تاريخ، 128.

(2) - الرقيق، نفسه، 96 - 97.

(3) - نفسه، 96 - 97؛ النويري: نهاية الأرب (المغرب)، 221.

(4) - ابن عذاري: البيان، 1/ 67.

٦٢٦ / ٧٤٣