القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٢٤

إنَّ سحنون بن سعيد (234 - 240هـ /848 - 854م) أعظم قضاة المغرب الإِسلاَمِي أعمالا، وأبقاهم آثارا؛ سمِّي بسحنون لحدَّة ذهنه، وإنَّما اسمه الحقيقي عبد السلام، لم يل القضَاء للأمير محمَّد بن الأغلب (226 - 242هـ /840 - 855م)، «حتى حلف له (الأمير) بالأَيمان المؤكّدة، وأعطاه العهود المغلَّظة أنَّه يطلق يده عَلَى أهل بيته وقرابته وخدمه وحاشيته، وينفذ عليهم الحقَّ، أحبُّوا أو كرهوا»(1).

وكتب سحنون إلى هَذَا الأمير «أعاذك الله أيُّها الأمير من قسوة التجبُّر، ونخوة التكبُّر، وأسأله أن يرزقك فهما للخير وعملا به، ومعرفة بالحقّ وأثرة له … »(2).

وامتدَّ العدل إِلىَ عهد أبي إبراهيم أحمد بن محمَّد بن الأغلب (242 - 249هـ/856 - 863م)، الذي ولي الإمارة في زهرة شبابه ابن عشرين عامًا. وكان عَلَى حداثة سنه «حسن السيرة، كريم الأخلاق والأفعال، من أجود الناس وأسمحهم وأرفقهم بالرعية مع دين واجتناب للمظالم … وكان يركب في ليالي شعبان ورمضان وبين يديه الشمع فيخرج من القصر القديم ويمشي حتَّى يدخل من باب أبي الربيع ومعه دواب بالدراهم فكان يعطي الضعفاء والمساكين حتَّى ينتهي إِلىَ المسجد الجامع بالقيروان فيخرج الناس إليه، يدعون له»(3).

هَذِهِ السيرة لم تدم طويلاً، إذ نجد إبراهيم إبن هَذَا الأمير السالف الذكر (261 - 289هـ/874 - 901م) يبدأ عهده عادلاً ثمَّ ينقلب رأسًا عَلَى عقب ولعلَّه يعتبر أظلم الحكام طيلة القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م)، لكثرة من قتله من البشر، وَعَلَى رأسهم القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي (257 - 259هـ ثمَّ 267 - 275هـ).

(1) - ابن عذاري: 1/ 109.

(2) - أبو العرب: طبقات، 187.

(3) - ابن عذاري: 1/ 112.

٦٣١ / ٧٤٣