الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٢٥كان هَذَا القاضي يوما قد دخل جنان الأمير وفيه ثمر قد طاب فناول الأميرُ عبد الله بن أحمد بن طالب ناصحًا ومذكرًا: أيُّها الأمير يجب عليك شكران: أن بلغك غرسه، ثمَّ أكلت منه ثمرته، فصلى الأمير وابن طالب شكرًا للنعمة ركعتين، ثمَّ قال له: بقي آخر، «تبعث بصدقة أهل الدمنة فإنَّهم أهل زمانة وضعف» ففعل، ثمَّ قال له: بقي آخر، «تعزل من عمالك مَن كان جائرًا وتجعل مكانه من يعدل في الرعية» فأمر الأمير بذلك(1). إِلاَّ أنَّ تلك السياسة لم تدم طويلاً كما أسلفنا.
ولسبب جوره بعث إليه أبو الأحوص أحمد بن عبد الله أحد شيوخ القيروان (ت284هـ/897م) رقعة أغلظ له فيها قائلاً «يا فاسق، يا جائر، يا خائن قد حِدت عن شرائع الإسلام، وعن قريب تعاين مقعدك من جهنَّم … »(2) وقيل: إنَّه كتب إليه فيها «إذا السماء انفطرت»(3) وتأثر لها إبراهيم الثاني حتَّى أنَّه زار هَذَا الشيخ الضرير، وطلب منه النصيحة قائلاً «أحب أن ترفع إليَّ كلَّما ثبت عندك من مثل هَذَا فأغيره»(4) لمناكر اقترفها، ذكَّره بها الشيخ صالح ونبَّهه من ارتكاب مثلها.
ويروي الشمَّاخي أنَّ رجلاً من نفوسة بعد وقعة مانو سنة: 283هـ/896م أوقفه إبراهيم الثاني أمامه مسجونًا فقال له «أظنك معلم القوم وإمامهم. قال: لست كذلك، قال: ما تقول فيَّ، قال: ما عسى أن أقول: فاسق ظالم، سفاك لدماء المسلمين، أبعدك الله! فاستشاط إبراهيم غيظاً .. »(5)، ونلاحظ أنَّ الصفات التي
(1) - المالكي: رياض، 1/ 477 - 478.
(2) - ابن عذاري: البيان، 1/ 130.
(3) - سورة الانفطار، رقم: 82، عدد آياتها: 19، منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الاِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمٍ … ﴾ الآية: 6.
(4) - المالكي: 1/ 485.
(5) - الشماَّخي: سير، 269.