الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٣٥لقد كانت علاقة القاضي بالحاكم في عمومها علاقة ثقة واطمئنان: كلّ يطمئنّ إِلىَ الآخر ويثق فيه، ولكن شابها في بعض الأحيان وبخاصة عند الأغالبة نوع من الحذر بحيث كان الأمير يحذر من قاضيه العادل الصارم، وَهَذَا الأخير يحذر من سطوة الأمير الجائر.
وتميَّزت العلاقة كذلك بالطاعة وإسداء النصيحة بين الطرفين؛ طاعة القاضي للحاكم فيما يرضى الله، لأنَّ ذلك من أوكد الواجبات في الإسلام، ونصيحة القاضي للحاكم عندما يكون هَذَا الأخير مستعدًّا لقبول النصيحة. وبديهي أنَّ النصيحة لا يدلى بها إِلاَّ في وقتها، ولمن هو أهل لها، لكي تؤتي أكلها ولا تذهب أدراج الرياح.
ولا أشكُّ في أنَّ الرعيَّة ببلاد المغرب الإِسلاَمِي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، قد تمتَّعت بنزاهة القضَاء وعدل القضَاة رغم جور كثير من الحكَّام؛ ويبدو أنَّ وقع هَذَا الجور في نفوس الرعيَّة كان أكبر وأعمق من عدل القضَاة ولعلَّ ذلك يعود إِلىَ طبيعة التركيبة البشرية ببلاد المغرب، فهي في عامتها بربر وجند.
إنَّ هاتين الظاهرتين(1): البربر والجند طبعتا معًا الأحداث السياسية للبلاد
(1) - يمكن إضافة أو مراعاة ظاهرة ثالثة وهي ظاهرة طبيعيَّة نقصد بها الجوائح والأزمات والأوبئة التي تعددت في هَذِهِ الفترة والتي لا نشكُّ أنَّها قد أثَّرت في صيرورة الأحداث ببلاد المغرب؛ منها الوباء والطاعون الذِي وقع حوالي سنة 128هـ/ 745م واستمرَّ سبع سنين لا يرتفع إِلاَّ وقتا من الشتاء ووقتا في الصيف. وفي سنة 253هـ/ 867م كان هناك قحط كثير وغاصت المياه ودام إِلىَ سنة 265هـ/ 878م. وفي سنة 260هـ/ 873م عمَّ الغلاء والقحط جميع بلاد المغرب وإفريقيَّة والأندلس ومصر وبلاد الحجاز؛ ثمَّ كان بالمغرب وباء عظيم مع غلاء في الأسعار، وعدمت الأقوات فهلك خلق كثير. وفي سنة 266هـ/ 879م كان القحط العظيم والغلاء المفرط بإفريقية. وفي سنة: 267هـ/ 881م في يوم الخميس، 22 شوال كانت زلزلة عظيمة لم يُسمع بمثلها تهدَّمت منها القصور وانحطَّت منها الصخور من الجبال، وفرَّ الناس من المدن وعمت هَذِهِ الرجفة جميع بلاد المغرب، من تلمسان إِلىَ طنجة، ومن البحر الرومي إِلىَ أقصى المغرب فضلا عن الأندلس. وفي سنة 268هـ/ 882م اشتد القحط وغلت الأسعار حتَّى بلغ قفيز القمح ثمانية دنانير؛ فهلك الناس حتَّى أكل بعضهم بعضا. وفي سنة 276هـ/ 889م أطبقت الفتنة جميع آفاق المغرب وإفريقيَّة والأندلس. وفي سنة 285هـ/ 898م كانت المجاعة الشديدة التي عمَّت جميع بلاد الأندلس وبلاد العدوة ثمَّ أعقب ذلك وباء ومرض وموت كبير هلك فيه من الخلق ما لا يحصى. وفي سنة 293هـ/ 905م كسفت الشمس كلّها وصلَّى القاضي حماس بن مروان بالناس صلاة الكسوف في الجامع بالقيران. وفي سنة 295هـ/ 907م استسقى القاضي أبو العبَّاس بن جيمال بالناس يوم الاثنين 6 ربيع الثاني.
هَذِهِ إذن عشر جوائح اجتاحت بلاد المغرب خلال القرنين (2 - 3هـ/ 8 - 9م) لا تنتهي إحداها حتَّى تندلع الأخرى.
انظر عنها: ابن عذاري: البيان، 1/ 116، 140، 144؛ ابن أبي زرع: الأنيس، 96 - 97؛ النويري: نهاية الأرب (المغرب)، 220، 227؛ الناصري: الاستقصا، 1/ 180 - 181.