الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٣٨حتَّى قولهم الشعر(1) لم يكن ذا بال وبالتالي كانوا كلّهم وقار وهيبة ورزانة بعكس بعض قضاة المشرق والأندلس الذِين تركوا نوادر ومُلحا تناقلتها كتب الأدب والقصص ترويها جيلا بعد جيل.
أمَّا في المغرب فربَّما وجدنا بعض الأقوال أو الأفعال التي صدرت من القاضي فيها نكتة مضحكة أو عبرة عابرة، وربما استأنستُ ببعض النوادر من هنا أو هناك عَلَى امتداد العالم الإسلامي، إن خرجَت عن الإطار المكاني للموضوع فهي لم يخرج عن الإطار الزماني، وهي مرتبطة ارتباطا مباشرًا بمجريات أمور القضاء ببلاد المغرب.
نعود إِلىَ النبيذ وتعاطي القضاة له، إذ من المعروف أنَّ الأحناف يجيزونه في حين تحرمه المالكيَّة تحريما صارما، وقد وجدنا ذلك عند بعض قضاة الأحناف بالمغرب، إِلاَّ أنَّنا لم نعثر عَلَى نص يشير بصراحة إِلىَ أنَّ أحد القضاة كان يجلس للنبيذ ويتعاطاه وكل ما في الأمر هَذِهِ القصَّة التي رُويت عَلَى لسان أحد أشراف إفريقية وعلمائها وَهُوَ عبد الله ابن أبي حسان اليحصبي(2) (ت226 أو 227هـ/841م)، قال «وجَّه إليَّ زيادة الله وعنده قاضياه أبو محرز وأسد يتناظران في النبيذ، وأبو محرز يحلُّه وأسد يحرمه، فقال: ما تقول في النبيذ الشديد؟ فقلت: قد علمت سوء رأيي فيه، وهذان قاضياك وهما فقيها البلد يتناظران فيه … »(3).
ومن المعلوم أنَّ كثيرًا من أمراء الأغالبة دون حكام المغرب الإسلامي الآخرين، كانوا يتعاطونه، ولقد ذكرت أنَّني وجدت بعض القضاة يغضون
(1) - انظر المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.
(2) - انظر ترجمته في: تراجم أغلبية، 70 - 76.
(3) - عياض: تراجم، 76.